أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
– 12 –
بعد تحقيق النصر المؤزر ضد العدو الإسرائيلي بمنعه من التقدّم وطرده من الأراضي الأردنية، انتقل جيش منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الفدائية إلى الأردن بكثافة، ليصبح جيشان في دولة واحدة.
ويقال إن منظمة التحرير قد اتخذت من الأردن قاعدة للعمليات ضد إسرائيل.
لكن بالرغم مما تحقق فقد شاب التوتر كل المظاهر اليومية في البلاد وعلى مختلف المستويات والثقافات.
كان دحنون قد شقّ طريقه عائدًا إلى الخيمة، متأمّلًا الحفر العميقة المحفورة على جانبي الطريق، الأشبه بالمقابر الفارغة المنتظرة الجثامين، والأعمدة الحديدية الممدودة على طرفي الشارع ، كل عمود إلى جانب حفرة معدة له ليقف فيها ليصبح عما قريبً عمود نور يضيء الشارع المظلم.
ما إن اقترب دحنون قليلًا من الخيمة ورؤيته لحكم متجهًا إليها حتى شدّ الخطى.ما أن وصل ورأى رواقها "بابها" مقفلًا، علم أن حكم في الداخل، إذن هو يريد الخلوة بأمه لينال منها، فتخنقه عبراته، ولم يستطع فعل شيء سوى الصراخ بأعلى صوته.
فتحت وطفى رواق الخيمة لترى نفسها هي وحكم وجهًا لوجه أمام دحنون الذي كان منفجرًا بالبكاء بصوت مرتفع، بينما كان ينظر حينًا إلى حكم بغضب شديد، وحينًا آخر إلى أمه بخيبة أمل.
بينما شعرت وطفى براحة في صدرها لوصول دحنون في الوقت المناسب، بعد أن همّ حكم بها وهمّت به لينقذها من وصمة عار لا تزول أبدًا.
قالت:
-علامك يمه؟ ويش فيه؟
لكن دحنون لم يجب ولم يتوقف عن الصراخ. قال حكم وهو يحاول الاقتراب منه متوددًا:
-علامك عمي دحنون؟ في ناس ضاربينك؟ وقعت؟ خفت من إشي؟
لكن دحنون رفع حجرًا عن الأرض محاولًا رميه به فيما لو اقترب منه أكثر، فابتعد حكم.
تقول وطفى لائمة دحنون كما وأنه إرتكب جريمة ضد أحد أفراد عائلة الخزاق أقبح من جريمتها :
-عيب يمه يادحنون، هذا ابن عمك ..هذه قلة أدب !
تقترب منه محاولة ضمّه كي تسيطر على الوضع ، لكنه يرجع إلى الوراء رافضًا، فيستدير ويجري مبتعدًا بسرعة قصوى.
بعد ذهاب دحنون ينظر حكم إلى وطفى براحة، وكأن الشر المتمثل بدحنون قد زال بهذه السرعة، فوضع يده على كتفها، لكن في تلك اللحظة يفاجأ بصفعة قوية على وجهه من كف وطفى. كانت صفعة لم يتوقعها من امرأة ذليلة مستسلمة، والأهم أنها تعلم من هي عائلة الخزاق.
فتقول له ويداها مرتعشتان:
-إصحاك تعيدها مرة ثانية يا حكم! إنت فاهم؟ وهسّا يله روح من هونا! يله!
فيستدير حكم لأول مرة مهزومًا، ويغادر بصمت.
بعد مغادرة حكم بدقائق، يظهر أبو عطا قادمًا من بعيد وبيده هراوة كبيرة، وعيناه تقدحان شرارًا، وقد اعتقدت وطفى بأنه لم يترك عمله ويغادره ليعود إلى البيت إلا لأمر هام جدًا. شعرت بالقلق الشديد،سيما وهو الزوج المصاب بمرض الشك.
قال لها صارخًا وهو يلوّح بهراوته:
_ وينه؟
ترد وهي مرتعشة من شدة الخوف:
_ م.. م.. مين هو؟
_ هو فيه غيره؟ ابن الحرام دحنون!
وعندما سمعت هذا الكلام تنفست الصعداء، وقالت بهدوء أعصاب:
_ لويش؟ ويش مساوي مقصوف الرقبة؟
_ بتقوليلي ويش مساوي؟ ما صوته واصل للورشة هالملعون وهو بزاعق! والله لاكسر راسه هالمره!
فقالت بخبث محاولة تهدئته:
_ آه.. ما هو هذا دحنون المسكين وقع على وتد الخيمة.. المسكين مليح إنه ما إجا ببطنه وسطحه.. بعدين سكته وأعطيته قرش مشان يروح على الدكانه يشتري؟
_ والله عليوم لو إنه سطحه وخلصنا من قرقعته!
_ هههههه.. بس هو مطوّل ليجي يا عواد.. عمنه راح على الدكانه البعيده.. إنت جعان يا عواد؟ هههههه..شكلك جعان؟
ما إن تأمّل وجنتيها المحمرّتين كلون الدم حتى تأجّلت رغبته بالإيذاء البدني برغبة من نوع آخر. فجذبها من يدها، لكن بطريقة عنيفة نوعًا ما، لكنها بلا شك تختلف عن طريقة حكم كثيرًا؛ طريقتة الخالية من العنف، وقال:
_ طيب.. تعالي جوّا؟
تبتسم وطفى وتدخل معه إلى الخيمة.
أما دحنون فلا يزال يجري مبتعدًا بسرعة دون توقف، غير عابئ بتحريص أمه وأبيه له ولإخوته من الابتعاد عن الخيمة:
"لا تبتعد كثيرًا حتى لا يعترض طريقك أولاد ويضربونك."
"لا تبتعدوا كثيرًا حتى لا تلحق بكم الشرطة."
"يوجد عصابات تقبض على الأولاد ويسحبون دمهم."
"يوجد عصابات تتاجر بأعضاء الأطفال."
"إن ناداك أحد لا ترد عليه فهو لا يريد بك إلا السوء."
"احترسوا من الكلاب، قد تكون مسعورة."
كان دحنون يحفظ كل تلك التحريصات عن ظهر قلب، لكن بداخله شيء أشبه ببركان شديد الغليان يجبره على الاستمرار بالجري دون توقف. فقط يريد أن يجري. لا يعلم إلى أين يذهب، لكنه لن يتوقف عن الجري.
إنه يكره عائلة الخزاق، بل شعر في تلك اللحظة بأنه يكره الجميع: يكره أباه، وأمه، وإخوته، وأخواته، يكره جميع الناس.
لقد شعر بأن ساقيه قد ارتفعتا عن الأرض، فأصبح كما وأنه يطير محلقًا في السماء.
أما في خيمة أبي عطا ووطفى، فهذه المرة قد تكللت كل محاولاته بالفشل.ليعلن تاريخه الجسدي العجز التام ، لقد أدرك هذه المرة فقط أنه أصبح عجوزًا! بل هو عندما تزوج كان عجوزًا.. هو عجوز منذ البداية.
يهطل عرقه الغزير كهطول المطر، يخفق قلبه بشدة، فيحدّث نفسه قائلًا:
"أنت عاجز لأول مرة يا أبا عطا، فما عليك سوى توديع تلك الأيام، والعيش على ذكرياتك مع كفاية وغيرها."
ينهض، يرتدي ثيابه، ينظر إلى وطفى بصمت وهو يعاني من ذل وقسوة الهزيمة، ثم يستدير عائدًا إلى الورشة.
أما دحنون فلا يزال يجري دون توقف، قاطعًا التلال، مجتازًا الطرقات، محنيًا رؤوس سنابل القمح، ناثرًا حباتها.
تتوقف سيارة فخمة ثمينة بالقرب منه، يهبط منها رجل أنيق، بيده قطعة شوكولاتة كبيرة مغرية، فيناديه:
_ تعال يا شاطر.. تعال عمو خذ!
يشعر دحنون كأن الذي أمامه ذئب يتساقط لعابه، فيشعر بالذعر أكثر، فيستأنف الجري بسرعة أكبر.
يمرّ بشاب يرعى الأغنام، ما إن يراه الراعي حتى تتسع حدقتاه، فيقول له:
_ تعال يا ولد.. وقف شوي!
لكن دحنون لا يرد عليه، لكنه يلحق به تاركًا أغنامه، محاولًا الإمساك به. يجذبه من قميصه، فيكاد أن يمسك به، تنقطع أزرار قميصه، لكنه لا يتمكن من الإمساك به فيعود إلى أغنامه.
يرى أمامه ثعبانًا أسود ضخمًا، فيكاد أن يطأه بقدمه، فيصرخ من شدة الرعب، كما يخاف الثعبان أيضًا هاربًا، فكلاهما قد أفزع الآخر.
تظهر أمامه مجموعة كلاب ضالة، يشجعهن جريه المستمر على اللحاق به. يصرخ مذعورًا.
يرى من بعيد سيارة شرطة نجدة، ينطلق زامورها المرتفع، تهرب الكلاب خائفة من الصوت ،يغيّر دحنون اتجاهه هربا من سيارة الشرطة ثم يزيد من سرعته.
يمرّ من بيدر قمح بعد الحصاد، وقد نال منه التعب، فيسقط على الأرض ويغفو إغفاءة شعر بأنها طويلة. ارتاح أخيرًا من رحلة جري طويلة.
فتبدأ رحلة الأحلام؛ يرى في نومه أن الرجل الذي في السيارة الثمينة يقبض عليه ويضعه في سيارته وتنطلق به السيارة بعد تخديره.
ثم يقبض عليه الراعي ويجرّه على الأرض إلى مكان مجهول.
ثم يهاجمه الثعبان ،يلتف الثعبان حوله كالحبل المتين ويعضّه عضّات متتالية ليسري سمه في شرايينه.
تحيط به الكلاب ليصبح وليمة عشاء لهذا اليوم.
تقبض عليه الشرطة وتعاقبه بالصفع لأنه كان يجري.
وأخيرًا يرى الأب وبيده شعلة كبيرة، بينما هو مشدود الوثاق على عمود نور، ويريد حرقه .
يصحو من نومه فيرتاح عندما يعلم أن جميع هزائمه تلك كانت مجرد أحلام. شعر بالشوق لأمه، مهما كانت فهي أمه، لا بد أن يعود إليها، أو أنه الآن بحاجة ماسّة إلى صدرها الذي لم يضمه يوما.
يجرف التراب بأصابعه وهو مستلقٍ على بطنه، فيعثر على شيء لامع. تخبره بديهته أنه خاتم ذهب، يقول في نفسه:
"هذا لأمي إن تمكنت من العودة."
كان قد ابتعد كثيرًا عن الخيمة، فشارفت سويعات الأصيل أن تدخل.
شقّ طريقه عائدًا إلى الخيمة، ما إن يصل وتراه أمه حتى تجري إليه ، فكانت نظراتها إليه كما وأنها نظرات اعتذار عمّا حدث أو ما كان سيحدث.
وقالت له بحنو:
_ إنت إجيت يمه؟ مالك يمه؟ إنت تعبان.. بدك خبزة؟
نظر دحنون إليها، محاولا تناسي ما حدث، وابتسم ابتسامة متعبة، ومدّ إليها الخاتم الذهب وقال:
_ يمه لقيت إلك ذهب.
- آه والله هذا ذهب عن جد.. ييي الله يسعدك يمه.
فيتركها ويدخل إلى الخيمة ليرتمي على الفراش وينام نوما عميقا.
"وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبة
25 / 1 / 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق