أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبه
-25-
ما إن فتحت وطفى باب الخيمة، حتى رأت رجلًا مسجّى على الأرض، وجهه مغطى بكوفيته البيضاء الملطخة بالدم.
يخفق قلبها بشدة من صدمة المشهد، وقالت فزعة:
-بسم الله الرحمن الرحيم… ويش هذا؟ يا ساتر استر!
لكنها في واقع الأمر لم تكن ركبتاها تقويان على حملها، وكانت تتهيأ لإطلاق صرخة.
ذهبت إليه وهي تنادي زوجها:
-يا أبو عطا… اصحَ يا أبو عطا!
اقتربت منه، وبيد مرتعشة رفعت الكوفية عن وجهه، وما إن عرفته حتى مزقت مِدرقتها (زيّها الشعبي)، وأطلقت صرخة أفزعت الطيور من أعشاشها، وأيقظت النيام:
-سامي… قوم يا سامي! لويش ماترد علي يمّه يا سامي؟
يخرج الجميع من الخيام على صوتها، حتى أم لؤي تطل من نافذتها، ثم تخرج إلى شرفتها مستطلعة الأمر.
يخرج أولاد أبي عطا، ومن بعدهم يخرج الأب متكاسلًا متباطئًا كعادته،
يمشي باتجاه سامي كأنه يزحف زحفًا، ينظر في وجهه، لم تُخفِ الدماء ابتسامته الفرِحة، وهو لا يزال يرفع إصبعه الشاهد.
فيقع الأب مغشيًا عليه.
أما دحنون فكان ينظر بصمت، وهو متشبث بحبل الخيمة.
* * * * * * * *
يتصل أبو عطا هاتفيًا بزوج ابنته علوان الخزاق من منزل أم لؤي، طالبًا المساعدة في مراسم جنازة ابنه سامي بحسب عاداتهم لأنه لا يملك شيئا من النقود ،والحال على الله، وذلك بنقل جثمانه إلى الغور، وإقامة العزاء هناك ودفنه في المقبرة الأهلية.
يحضر علوان متذمرًا متأففًا كعادته، لكنه يتكفل بالجنازة كاملة.
تعود الأسرة من الغور بعد عدة أيام أمضوها هناك في مراسم الجنازة بحسب عادات وتقاليد القرية.
رأى دحنون خلال تلك الأيام المشاهد ذاتها عند استشهاد خاله في معركة الكرامة، حيث النواح وتمزيق الثياب، وإدماء الوجوه بواسطة الأظافر.
تحتضن سعدى دحنون، يريح رأسه على صدرها، وتهمس إليه بحنان:
-إنت حزنان على أخوك سامي يا دحنون؟
يصمت دحنون ولا يجيب، فتقول متمتمة بصوت خفيض:
-والله إنت اللي لازم نحزن على حالك يا مسكين يا معثّر.
أحيانًا يلعب دحنون مجبرًا مع "يزن" الذي كان يصغره بثلاثة أعوام. وكان يزن هو الولد الوحيد لأبي يزن بين ثماني بنات، ولذا كان المدلل والمفضل لدى ذويه، وطلباته دائمًا مجابة، بالرغم من قسوة الأب والأم على البنات.
أما يزن فكان وضعه مختلفًا؛ فلم تمتد إليه يد أبدًا، حتى لو أخطأ، بل تُختلق له الأعذار، ودائمًا يُتَّهم دحنون بأفعال يزن ويُعاقب بدلًا منه، أو يتهمه يزن بها، كما كانت خالدة تشهد زورًا أيضًا ضد أخيها دحنون.
كان يزن مغناجًا لدرجة أنه يبكي لأتفه الأسباب، وصوته رفيع جدًا، مضحك بل واستفزازي عندما يصرخ أو يبكي.
وكثيرًا ما يتهم دحنون بضربه، وإن وقع يوما متعثرا يقول إن دحنون ضربه أيضًا، فيُعاقب دحنون ظلمًا وبقسوة، وتكون فرصة للأب لضربه وفش غليله.
وكان يزن مقززًا، دائمًا سائلُ المخاط على أنفه وشفتيه.
لم يكن دحنون يرتاح له، لكنه كان يُجبر على اللعب معه والاهتمام به.
وبالرغم مما كان يعيشه يزن من رفاهية بسبب نشاط الأب وعمله المستمر بلا كسل أو شكوى، إلا أنه كان ضعيف البنية.
يموت يزن متأثرًا بالحمّى، ويقام له عزاء كبير في الغور، ويعيش الأب والأم في حزن عليه.
وفي اليوم نفسه تموت خالدة بلدغة عقرب، وبعد ذلك بأيام يموت لؤي في المواجهات مع الجيش.
تسمع وطفى صوت الجلبة والبكاء، فتهرع إلى بيت أم لؤي لتجلس معها وتشاركها النواح على الطريقة الغورانية.
وهكذا تشاطر النساء الثكالى بعضهن البعض الأحزان.
ولأن تلك الأحداث الأليمة حدثت في شهر واحد فقط، تزداد النقمة والسخط على دحنون، متهمين إياه بأنه وراء كل ما يحدث، بسبب عينيه الواسعتين، ومعرفته بالقادم والغيبيات كما يظنون.
كذلك حقدت عليه عائلة أبي يزن، لأنه لم يكن يحب يزن وكان ينفر منه دائمًا.
وتزداد كراهية دحنون واضطهاده من قبل الأقارب في الغور، بل والجيران في عمّان.
كان دحنون يفضل أن يلهو وحده فوق التلال، ويتأمل السماء والغيوم والجبال البعيدة، وتزداد محبته للوحدة كلما تعرض للاضطهاد من قبل الآخرين، وعلى الأخص أسرته.
بل وصل الأمر إلى تهديده بأخيه شديد القسوة عطا، الذي كان كلما وصل فرّغ فيه طاقاته السلبية، وكأنه هو سبب كوارث البلد.
لم يكن يغدق عليه أحد بالحنان والمحبة سوى سعدى، بالرغم من أنه كان ينزعج أحيانًا من مبالغتها وشغفها به.
يصل دحنون إلى صخرة كبيرة، يصعد فوقها، يلمح شيئًا محلّقًا في السماء، يمد إصبعه قائلًا بسعادة:
-شفتك… شفتك؟
يرفع يديه كأنه سيلحق به، ويضحك ضحكة تزيد المكان سحرًا.
تصل سعدى باحثة عنه بعد أن فقدته بين الخيام، وما إن تراه وتنبهر بسحره وجماله مع الطبيعة ، حتى تجري إليه فاتحة ذراعيها، طالبة منه أن يقفز بينهما.
يستجيب دحنون، فيقفز في أحضانها، فتتلقفه وتضمه بقوة، ويقعان على الأرض معًا، يتدحرجان، حتى تصبح طالة عليه من فوق، فتلثم وجنتبه بالقبلات .
بعد دخول وقت الظهيرة، كان دحنون مستغرقا في نوم عميق، كأنه هرب من العالم إلى مكان لا تصله فيه الأصوات.
سكون ثقيل يلف المكان.... لا يسمع سوى حفيف الريح وهي تعبث بأطراف الخيام.
وفجأة....
تتوقف مركبة عسكرية أمام الخيمة.
يفتح الباب بصرير حاد وينزل منها عدة جنود، خطواتهم ثقيلة، ووجوههم جامدة كأنها تحمل خبرًا لا يُقال بسهولة.
تنتبه وطفى يتجمد جسدها للحظة ... ثم تركض نحوهم، وقلبها يسبقها:
-عطا وين ؟! وين عطا ؟! قولولي مشان الله يمه ... قلي يمه وين عطا ؟
يتبادل الجنود النظرات.... صمت قصير... لكنه كان كافيا ليقول كل شيء.
يتقدم أحدهم ببطء، وعيناه تتهربان من عينيها:
-قوك يمه .... يمه....أ...
يتلعثم.... يجف ريقه .... يحاول أن يتمالك نفسه:
-....عطا .
لكن الكلمة تختنق في حلقه.
في تلك اللحظة....
تسقط وطفى على ركبتيها قبل أن تسمع بقية الجملة.
كأن قلبها فهم ما عجزت الكلمات عن قوله.
وفي داخل الخيمة....
كان دحنون نائما وجهه هادئ... وكأنه يرى حلمًا جميلا.....
أو ربما .... يرى ما سيحدث لكن بصورة أخرى.
"وإلى الحلقة القادمة"
تيسيرالمغاصبه
١٢-٤-٢٠٢٦