"أحلام الدحنون "
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
– 16 –
يطلّ هاني ودحنون من إحدى الحفر المُعدّة لعمود لنور، ليريا من بعيد الأخت الكبرى للفتاة المختبئة مع هاني، وكان دحنون معهم. كانت آتية باتجاههم مسرعة وهي غاضبة، باحثةً عن أختها سيئة الخلق.
كان دحنون بالطبع قد رأى كل ما حدث بينها وبين أخيه هاني في الحفرة. يرفع هاني أخاه دحنون ليُخرجه من الحفرة، ويخرج هو بعده، ثم تخرج الفتاة.
تصل أختها معزرة، لكنها لم تستطع إمساكهم متلبسين، وبالتالي لم تستطع أن تجزم، فعادت مع أختها وهي تشتم قائلة:
– أمي بدوّر عليكي يا….... وين طاشِه؟ يله قدامي… يله؟
لم يطلب هاني من دحنون ألّا يُخبر أحدًا، لأنه مستعد ليُخبر عطا بنصره عليه هذه المرة.
لكن في الحقيقة، إنها من فضلات عطا الذي تركها.
تعلَم وطفى بذلك من وراء منافستهم معا وإفشاء أسرار بعضهم، وتقول معاتبة بهدوء:
– لا تفضحونا يا عيال مع الغُربا، إحنا مش قَدّهم والله عيب عليكو.
* * * * * * *
كان عطا قد عاد بصحبة أخيه وتوأمه سامي بعد التسجيل للانتساب للجندية، وأخذا موعدًا للتجنيد.
يذهب سامي في زيارة إلى أخته الكبرى سحر، مصطحبًا معه دحنون وأخته خالدة. ما إن يصلوا حتى تستقبل سحر أختها خالدة بالأحضان مرحِّبة، ومقابل ذلك تكيل الشتائم لأخيها دحنون:
– لويش بعدك بتغلب أمي وأبوي؟ إنت ما بدك تصير بني آدم يا أبو شدوق؟ لويش مخمِّش وجه أختك هيك؟ هو إنت حيوان؟ اللي تفقس عيونك لكبار هظول؟
ثم تغنّي لأختها أغنية بعد تبديل كلماتها لتصبح مديحًا بذيئًا، مقلِّدةً أغاني أمها وطفى.
عند العودة، يذهب سامي وخالدة إلى خيمة أبي يزن، حيث كانت وطفى وهاني وباقي الأولاد الصغار يتحدثون ويضحكون. أمّا دحنون فيمرّ بخيمة أسرته، فلا يرى فيها سوى عطا وابنة أبي يزن الوسطى “عزيزة” وحدهم، وكان يمازحها كالعادة مزاحًا مبالغًا فيه. وفي الحقيقة، دحنون لا يعلم بعد إن كان عطا نال منها أم لا.
* * * * * * * *
بعد إنهاء عطا وسامي الفحوصات الطبية للتأكد من خلوّهما من الأمراض،والتأكد من لياقتهما ، أخذا موعدًا مؤكدًا هذه المرة، تتغيّر حياة عطا وتنقلب تسعًا وتسعين درجة. فقد نال الهداية من الله فجأة، ليصبح صامتًا على الدوام، كثير الخجل حتى أمام الجنس الآخر.
بعد السهرة السابقة، تتناقل أخبار دحنون الملفّقة، والحكايات المثيرة والمشوقة المنسوبة إليه، وقد جعلوا منه ولدًا غريب الأطوار، شقيًا لا يُطاق، مخربًا، غبيًا، معتديًا.
وعائلته أكدت ذلك، بل وروّجت بالأحاديث والسخرية والتنمر، مما زرع الكراهية له في قلوب جميع الأقارب، حتى البعيدين جدًا في القرية. لتحاربه الأقدار بدورها، ويموت كل من أحبه؛ علياء التي أعطته هذا الاسم، ونعمة التي قطعت حبله السري.
فأصبح الجميع يتعرض له بالتنمر، ويُضمر الشر له، ويحيك المكائد لإيذائه.
وبالرغم من هداية عطا ورجولة سامي، إلا أنهما لا يعترفان بحقيقة ظلم الجميع لدحنون، فقد أصبح ذلك الأمر بمثابة مذهب يتبعونه، لا يجوز الحياد عنه أو إحداث أي تغيير فيه.
من الأسر القاطنة في الشميساني، من غير الأقارب الذين في الجبل، كانت عائلة “أحمد الورّاق”. وكان الرجل في صراع دائم مع زوجته لأسباب غير معروفة، وكثيرًا ما يرتفع صوتهم وصراخهم، فتهرع إليهم عائلة أبي عطا لفضّ الشجار بينهم.
وكان مما سمعه دحنون:
– اسمعي يا عفاف، إذا مو عاجبِكي، هاي الشرطه، روحي اشتكي عليّ.
ترد عفاف بحدة:
– إيوه، مو عاجبني، وبدي اشتكي عليك، بس مو للشرطه… إنت عارف لمين بشتكي؟
– إه إه، إنتِ بتهدديني بالفدئية يا جربى ؟
– إيوه، بهددك بيهم مشان يجو و يكسروا راسك، وبعدين أمك الجربى، ماهي أنا.
وفي الحقيقة، ليست هذه هي الزوجة الوحيدة التي باتت تلجأ لغير الشرطة لتشكو زوجها، والهدف من وراء ذلك هو تحقيق الإستجابة السريعة ،والتنفيذ المباشر ،ولهذا شعر أحمد الورّاق بالقلق، وقد خفّت حدته.
في فترة الظهيرة، يرافق دحنون أمه للذهاب إلى إحدى الفلل القريبة، حاملةً معها إناءً كبيرًا. فتحدث دحنون أثناء الطريق:
– إنتِ يمّه من وين بتجيب هالحكي عن الحب والجواز ومن هالسواليف؟
– أنا بسمع أم لينا وأبو لينا وهم بسولفو مع بعض، وبحب حكيهم.
– إيوه، هسا فهمت!
ثم تقول محدِّثة نفسها:
“الله يسترنا من تاليها مع أم لينا وأبو لينا… مقضينها حبيبي وحياتي قدّام الولد،هظول ناس مرتاحين وبالهم فاضي”
يعتقد دحنون بأن الأغنياء سيملؤون الإناء بالطعام والحلوى والفواكه، لكن عند وصوله إلى حديقتهم، ورؤيته للدماء على التراب أمام الفيلا، والرائحة الكريهة في الإناء، يُصدم بما رأى.
وفي طريق العودة، بينما تحمل الأم الإناء على رأسها، يسألها:
– يمّه، إيش هاظا اللي حامليته، ريحته مثل ريحة ال….......؟
فتقول زاجرة:
– حرام يا ولد تحكي هيك عن النعمه!
– نعمه؟!
– إيوه، هاي كرشه، بتتنظف وبعدين بنطبخها وبنوكلها.
عند الوصول، تذهب بها وطفى بعيدًا عن الخيمة، وتجلس قرب رجمٍ (كومة من الحجارة)، وتبدأ بتنظيفها من محتوياتها، بينما دحنون يغلق أنفه بأصابعه.
فيرى الديدان البيضاء الكبيرة تخرج من مصارينها وتتلوى أمامه، فيقول مذعورًا:
– هاي حيايا يمّه؟!
– لا يمّه، هاظا دود، مو حيايا.
– وبعد ما تنظفوها بدكو توكلوها؟
– إيوه.
– يع!
– أنا بقلك يا ولد لا تحكي هيك عن النعمه.
يشعر دحنون بالقرف والقلق والمشاعر السلبية المزدوجة.
وهكذا تكون الديدان والعقارب والأفاعي وأم أربعة وأربعين ليست فقط قرب الخيمة، وبين الصخور، وعلى التلال، وأحيانًا داخل الخيمة، بل في كل مكان، حتى في الطعام الذي سيأكله.
كثيرًا ما تتسلق جسده أم أربعة وأربعين، وتتجول عليه بأريحية، لتختار المكان الذي ستلسعه فيه.
في الخيمة، يصرخ دحنون فزعًا كالعادة:
– هيها على ظهري يمّه، هسا بتقرسني!
تنزع أمه عنه القميص، فتبدأ الحشرة بالهروب من مكان إلى آخر على جسده، حتى تعثر عليها بعد أن تكون قد لسعته، فتنفضها عنه أخيرًا ويقتلونها.
يومًا ما، وبينما دحنون يتجول وحده بين الفلل والعمارات، ويشاهد الأولاد بعمره وهم يرتدون أجمل الثياب، وتفوح من بيوتهم روائح الأطعمة التي يسيل لها اللعاب، يخطر في ذهنه سؤال محيّر كثيرًا ما يراوده، فيعود ليسأل أمه:
– يمّه، وينتى بنصير مُدن؟ (أي أغنياء متمدنين)
تنظر وطفى إلى زوجها، ثم تبتسم وترد ساخرة:
– لما يطلع الحمار على الميذنه.
بالرغم من أنه لم يفهم ما تعنيه، إلا أنه بفطنته أدرك أن ذلك مستحيل أن يحدث.
أما زهير، الذي سمع ترديد ذلك المثل، فدخل يومًا إلى الخيمة غاضبًا وقال بخيبة أمل:
– يمّه، شفت حمار واقف عند الميذنه، واستنيته يطلع عليها… بس ما طلع!
فينفجر الجميع ضاحكين.
* * * * * * *
في سهرة أبي عطا مع عائلته، كان يتحدث وهم يستمعون إليه. لم يكن أبو عطا يحتمل حتى النظر إلى دحنون، لأنه لم ينسَ كلامه السابق ونظرته إليه.
كان دحنون جالسًا قبالته إلى جانب أمه، وكانت نظراته تحمل الكثير من المعاني التي تُزعجه. فكان كل حين يشتمه أو يتنمر عليه، باحثًا عن سببٍ لضربه.
أخيرًا يتحرش به هاني بخبث بعد تأكده مما يجري،مستغلا ذلك الظرف، وعندما يشتمه دحنون ردًا على إساءته، يصرخ الأب به كالعادة، منصفًا هاني وظالمًا،معنفا دحنون:
– سدّ حلقك يا ملعون!
ويمسك بقطعة خشب حادة الأطراف، فيرمي بها دحنون قاصدًا وجهه، لكنه يخطئه ، فتشاء الأقدار أن…
“وإلى الحلقة القادمة”
تيسير المغاصبة
7 / 2 / 2026