أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبه
-26-
تدمع عينا الجندي وهو يمسك يد وطفى لمساعدتها على النهوض، وما أن استعاد ثباته قال لها:
-يمّه... عطا كان أخونا كلنا... وكان قدوتنا... والله إنه كان رجلً بميت رجل، والزمن مش رايح يجود إلنا بمثله؟
في تلك اللحظة وصل أبو عطا ونظر مستفهمًا، فقالت وطفى متوسلة بصوت ضعيف:
-طيب وين عطا؟ قلّي يمّه... بس لا تقلي إنه... إنه؟
-عطا يمّه... أعطاك عمره.
عند ذلك انفجرت وطفى بالنحيب بصوت ضعيف متقطع، ولطم أبو عطا وجهه بقوة وخلع عقاله وكوفيته عن رأسه ورمى بهن أرضا وقال صارخا :
-يابا يا عطا كيف بدي أعيش من دونك ،كسرت ظهري يابا ياعطا ؟
ويقع مغشيا عليه .
يصل دحنون وسعدى من فوق التلال ،يسمعا الصراخ ويريان المشهد ،وعندما يعلما بالحدث تدمع عينا دحنون ويسأل سعدى:
-شو يعني ياسعدى ه..أ..يعني.. أخوي عطا كمان مات ..طيب ليش ياسعدى..حتى لو بكرهوني ..أنا..أنا تعودت عليهم يا.. ياسعدى ؟
لم تحر سعدى أي جواب عند ذلك
ينفجر دحنون بالبكاء فتحتضنه سعدى مربتة على ظهره.
قال الجندي:
-إحنا جبنا جثمانه معنا مشان تشوفوه، وبعدين لا تشغلوا بالكو، رايحين ندفنه في المقابر العسكرية بالوحدات.
يقوم الجنود بإنزال جثمانه لإلقاء النظرة الأخيرة عليه. تصل عزيزة متعثرة الخطى، جاحظة العينين، وكأنها قامت لتوها فزعة من نوم عميق:
-أجيت يا عطا... يا هلا بحبيب القلب... أنا بعدني مستنيتك يا عطا، وأجيت على عمّان مشانك... ما بعد الصبر غير الفرج يا عطا... وهسّاع بدنا نتجوز، مو هيك يا عطا؟ بعدك على وعدك؟
تقول أمها من خلال نشيجها، وهي تبعدها بمساعدة النساء:
-وحدي الله يمّه... عطا خلص مات يمّه... الله يرحمه.
تنطلق العربة مخلفة وراءها سحابة غبار كبيرة، بينما عزيزة تجري وراءها منادية:
-يا عطا... وين رايح يا عطا؟ ارجع يا عطا!
تجري النساء والصديقات وراء عزيزة، ومن بعيد يظهرن عائدات بها، يقُدنها بينما هي تغني:
حَنّيت إيدي ولا حَنّيت أصابعي
يمّه يا يمّه شدّيلي مخدّاتي
تقول مريم من خلال دموعها:
-وحدي الله يختي ،وحدي الله عاد؟
تستمر عزيزة بالغناء:
وطلعت من الدار وما ودّعت خيّاتي
يمّا يا يمّه شدّيلي مناديلي
تحاول صباح تهدئتها:
-الله يوفكي يختي توحدي الله.
تصل سعدى وهي لاتزال تحتضن دحنون وتهمس إليه:
-تعال معي يادحنون بعيد عن هذا الجو؟
تمر أيام وأسابيع على وفاة عطا وتعود السماء ملبدة بالغيوم مبشرة بموسم مطري جيد.
وتُطوى صفحة أحداث الأيام السوداء، مخلفة وراءها أمهات ثكالى، وفراق أحبة، ودماء لا تجف، وأحلامًا مغتالة.
يكون جيش منظمة التحرير الفلسطينية قد إنتقل إلى لبنان للإقامة هناك بصورة دائمة.
لكن بقي الأثر الذي لا يزول أبدًا: الأحقاد، والدم، وعدم نسيان الجانبين لتلك الأيام.
لكن الذين دفعوا الثمن هم الفقراء والمحرومون والضعفاء والمعثرون.
أما في الطرقات، فقد خلفت الحرب البلطجة من قبل الجميع، وأفعالًا فردية من السلب والاعتداء من قبل الجنود والشرطة وأصحاب النفوذ والحيتان.
لم يتوقع أحد نجاة دحنون من الحمى التي لازمته لأيام طويلة بعد وفاة أخيه عطا ،وها هو يتعافى منها بأعجوبة بعد أن رجت وطفى أبا يزن بأن يدفن إلى جانب يزن في الغور.
وبالرغم من ذلك كله تزداد نقمة ابي عطا على دحنون ،وتشتد قسوته عليه من أعتداء بدني ونفسي وترهيب.
ومن جهة ثانية كان أبي عطا دائم البكاء على عطا كلما جاء أحد على ذكره ،أو سمع أغنية حزينة تتغني بالفراق .
أما في خيمة أبي عطا، ففي كل مرة يمر بهم ضيوف آتون من الغور، يتجدد العزاء بالعويل والنواح واللطم. كل من يزور خيمة أبي عطا لا بد أن يعبر عن حزنه بالانفجار بالعويل من جديد، وكأن الوفاة حدثت في نفس اليوم.
بعد أيام واسابيع مرت ثقيلة على الجميع كان الناس قد شعروا خلالها بعدم رغبة في العمل ،وحتى في الخروج ،وإشتدت القسوة والعدوانية بينهم.
بعد غياب، يصل حكم. وما أن يرى وطفى حتى يحتضنها ويجهش بالبكاء بصوت مرتفع كالطفل الصغير، ثم يقع مغشيًا عليه، ويقومون بإفاقته برش الماء على وجهه.
تمضي الأيام مسرعة. كان الشابان حكم وفراج قد باتا ليلتهما في خيمة أبي عطا، وفي الصباح، وبعد شرب الشاي وتناول خبز الشراك (الصاج)، من خلال إغماس اللقمة بكاسة الشاي وأكلها،
قال حكم موجهًا كلامه لفراج:
-اليوم الخميس يا فراج، يعني المتعهد بمرّ مشان يقبضنا معاش الأسبوع. لازم نروح على الورشه مشان نكمل نقل الناعمة (التراب الأبيض) جوّا الورشه، بلاش الدنيا تشتي عليه وينبل ويِسيح على الشارع ويزعل المتعهد.
يقول فراج:
-يووو، هي وقفت على لتراب؟ لتكون نسيت الطوب كمان اللي بستنانا مشان نفوته، قبل ما يمر سرسريه ويكسروه بأرضه؟
-والله يا خوي يا فراج، كل تخريب بأثر على رزقنا، الله يكون بالعون.
قال دحنون:
-أروح معاكو؟
ترد وطفى:
-وين بدك تروح معهم؟ هذول رايحين على الشغل.
يقول فراج، وهو معروف بطيبته وحبه الشديد للأطفال، وهو يدّخر أجرته ويبخل على نفسه ويحرمها من كل ماتشتهيه لأجل الزواج من ابنة أبي يزن الكبرى "رحاب":
-ما في ناس بالورشة غيرنا، خلّيه يجي معانا ينطّط ويريّحكو من قرقعته.
-بس بخاف يغلبكو ويعطلكو عن شغلكو.
فيقول ليسمع دحنون:
-لا لا، دحنون شاطر، ما بغلب. بس لبّسيه جاكيت، عمني شايف الجو تغيّر، بلاش يبرد. يلّه قوم يا دحنون، إلبس جاكيتك، مشان لمّا يمر المتعهد ويقبضنا معاشنا، أشتري ليك حبّة إيمه (بوظة).
يصلون إلى الورشة ويبدؤون بالعمل بجد ونشاط لينالوا رضا المتعهد، بينما دحنون يلهو مستكشفًا المكان.متنقلا في طوابق وغرف الورشة متسلقا خشب الباطون .متدحرجا فوق رمل صويلح(الرمل الأحمر كانوا يأتون به من منطقة صويلح بعمان)
يمر بهم المتعهد ويقول مشددًا بحماس:
-أيوه... أيوه، بدنا همّتكم يا شباب. يوم السبت برجعوا العمال كلهم للشغل، ولازم ننجز.
ثم ينقد كلًّا منهم ثلاثة دنانير أجرة الأسبوع ويغادر.
بعد ساعتين من العمل المرهق بلا توقف، كان فراج يحمل ثلاث طوبات معًا ويستعد لإدخالهن، عندما مرّ من أمام الورشة جنديان مدججان بالسلاح. يزمجر أحدهم مناديًا فراج :
-تعال، وله!
"وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبه
١٤-٤-٢٠٢٦