"في حديقتي العطشى"
سلسلة قصصية
بقلم:
تيسير المغاصبة
_14_
(الأفعى )
كلما سمعت خرخشةً بالقرب مني، أعادتني إلى ذكرى لا أرغب في الرجوع إليها، ذكرى تتحدى النسيان.
ولماذا هذه الذكرى وحدها تأبى إلا أن تؤرقني؟ فأنا لم أخن حبي يوما ،ولم اهدم بيتي .
حدث ذلك قبل ثلاثين عامًا، فأخفيته.
يضحك الغراب فاتحًا منقاريه إلى أعلى درجة:
_ تابع أيها الشاب... عفوًا، أقصد: يا من كنت شابًا! هههههه.
-إليك عني يا هذا.
-لستُ "هذا"، أنا صاحبك الغراب.
-أكنت تسمعني بينما كنت أحدث نفسي؟
-بكل تأكيد ،تابع ياعزيزي تابع ،تعلم بأنه لا شيء يخفى عني.
_حسنا.. لافرق ،في البداية لم أستطع إيجاد أي تفسير لنظراتها الحادة تجاه أي رجل يمر هابطًا الدرجات أو صاعدًا عائدًا إلى شقته، مصادفةً أثناء فتحها باب شقتها.
كانت بيضاء البشرة، لكنها مقززة؛ كل شيء فيها كان مقززًا: صوتها، وبشرتها، وفحيحها.
كانت تتظاهر بأنها فتحت بابها مصادفة، لكنها في الحقيقة كانت تراقب كل مارٍّ عبر الدرج من خلال العين السحرية للباب.
فإذا رأت رجلًا لا يعجبها مظهره،أو كرشه، دخلت صافقةً الباب خلفها بغضب، وأحيانًا تشتمه بحجة أنه لم "يتنحنح"لتنبيهها أثناء مروره.
أما عني أنا فلم أعر نظراتها أي اهتمام.
وفي ذلك اليوم، بينما كنت أمر ملاصقا لسياج حديقتي، أتفقد نتاج جهدي مما زرعته في رحم الأرض من بذور، رأيتها لأول مرة ترتدي قميص نوم قصير ، وتقف على باب شقتها.
أشحت بوجهي بسرعة،واستدرت عائدا ، لكن بعد فوات الأوان؛ لقد رأيتها، وهي أيضًا رأتني قبل أن أغادر مكاني مسرعًا.
لم تشتم، ولم تدخل وتصفق الباب، لكنني لم أستطع إيجاد أي تفسير لنظراتها.
كنت يومها شابًا رياضيًا يضج بالنشاط والفتوة، أما هي فلم تجذب اهتمامي يومًا.
تركها زوجها هاربًا بعدما ضاق ذرعًا بالنزاعات والمشاحنات، ثم علمنا لاحقًا أنه مات إثر جلطة دماغية.
بعد ذلك بدأت تحرشاتها.
كانت ترمي القمامة في حديقتي، أو تلقي بقشور الموز أمام باب شقتي كي أتزحلق بها فيما لو خرجت على عجلة.
ثم دخلت حديقتي بحجة أنها تريد استرجاع قميص نوم أحمر أطاره الهواء من فوق سطح العمارة ليستقر في حديقتي؛كان القميص ذاته ! ..الأحمر .
وكيف يحدث ذلك وهي تسكن في الجهة الأخرى من العمارة ؟!
لم أتحدث إليها، لكنني تفاجأت بوجودها أمامي بتلك الجرأة.
قالت لي متهكمة:
_أتسمح لي يا... دكتور، بأخذ فستاني الذي أطاره الهواء؟ أم أن ذلك ممنوع؟
_عفوًا... لست دكتورًا..عموما تفضلي.
عبست في وجهها، وبقيت أحتضن قطتي وأمسح على فروها؛ فآخر مشاحنة بيني وبين زوجها كانت قبل أيام من هروبه بسبب "نكدها".
يوما ما وأثناء تهديداتها وتوعدها لي ؛إن لم أفهم... ، رشقتني بشيء ذي رائحة نفاذة، ثم اختفت الرائحة سريعا ، قبل أن تستدير ذاهبة وهي تتمتم بكلام لم أفهم منه شيئًا.
لم تكن أمي ترتاح لها،بل ولم تكن تعلم الكثير مما يحدث. ولذلك أصرت على زواجي بأسرع وقت، لكن ذلك الزواج فشل بعد أن تبدلت أحوالي، وسمعت حينها مصطلحات مثل: سحرته ،شعوذة ،شيخ يقرأ عليه، يرقيه... إلخ.
* * * * * * *
قبل أن أنهض من مكاني لأتتبع مصدر الخرخشات بين الحشائش الجافة، رأيتها أمامي مباشرة.
كانت أفعى ضخمة تقف منتصبة، تمد لسانها المشعب حتى كاد يلامس وجهي.
تجمد الدم في عروقي، ولم أستطع الحراك.
وضعت أمامي كأسًا مملوءة بالسم، وقالت بغضب، بينما كان فحيحها يلهب وجهي كتنين ينفث النار:
_لا بد أنك ترغب في احتساء سمي، يا عزيزي الرومانسي.
_ماذا تريدين مني؟ لم أفعل لك شيئًا.
_بل فعلت، أيها اللعين.
_ماذا فعلت؟
_قبل سنة، وفي هذا المكان، قتلت زوجي بدم بارد، أيها السادي.
_ماذا تقصدين بزوجك؟ هل تقصدين الثعبان الذي قتلته قبل أسابيع؟ لقد كاد أن يلدغني، وبالتالي أموت.
قالت:
_رد، أيها المجرم دون تبرير فعلتك؟
_م... ماذا تريدين مني الآن؟
_حسنًا، بما أنك شرير، وبنو جنسك ألصقوا بالأفاعي صفتي الشر والغدر، فأمامك خياران لا ثالث لهما.
_..................... .
الخيار الأول: أن تحتسي كأس السم الذي أعددته لك، بينما أبتلعك أنا وجبةً سائغة.
أما الخيار الثاني: فهو أن تتزوجني بدلًا من زوجي الذي قتلته بيديك هاتين، وجعلتني حزينة مكسورة الخاطر عليه.
_.................... .
_حسنًا، فهمت من صمتك أنك قبلت الخيار الثاني. جميل... انظر إليَّ لترى كيف سأنزع ثوبي المزركش الجميل.
فبدأت تنزع ثوبها، بينما كان جسدي يرتعش ويقشعر.
وحين انتهت، قالت:
استعد الآن لرقصة ما قبل الدخول .
فبدأت تراقصني، وأنا أشعر وكأن الدم يتجمد في عروقي من شدة
احتكاك حراشفها بجسدي.
وبعد احتفال الرقص ومن ثم الدخول ، بدأت تزحف نحو مخبئها، بينما كنت ملتصقا بها أزحف وراءها باستسلام تام حتى وصلنا إلى وكرها، لأخذ قيلولة، بينما راحت هي في نوم عميق.
نهضت بعد ذلك وغادرت.
ولم أرها لأيام، حتى زرتها في مخبئها بدافع الوفاء، لأجدها ميتة، هي وصغارها جميعا، من الجوع والعطش بسبب تأخر موسم الشتاء.
_والآن أتذكر ياصديقي الغراب تلك الأحداث ؟
_نعم نعم ..أذكر كل ذلك جيدا.
_لكني ..أنا ..لاأظن أنني لا اذكر .
_ههههههه عدت ياصاحبي للمراوغة والتظاهر بالنسيان.
"انتهت القصة"
وإلى قصة أخرى...
تيسير المغاصبة
٥-٧-٢٠٢٦