الاثنين، 5 يناير 2026

نص نثري تحت عنوان{{عندما لا يكون هنالك عنوان}} بقلم الكاتب المصري القدير الأستاذ{{محمد العطار}}


 عندما لا يكون هنالك عنوان ..

أشعر بأنني محاطٌ بفراغ نزعت منه الكلمات ..ومنعت أحقية الجلوس على شفتي الحروف. 
وحيدا أُعاني العزلة التامة.. والغربة القاسية ..وكأنني أجلس بباطن كهف اتعبته السنون.. أو أُجالس ظل شجرة أعلنت الجفاف.. فاصبحت مزمار تصفر فيه الرياح .. وللطيور استراحة سفر حزين.
أحاول جاهدا أن افتش بين ثنايا خاليات الأيام..وأفرغ خزائن بوحي في أغصان عمري المتهالكة.. لكنني لم أجد بين مفرداتي إلا بقايا لمجسدات ورقية باهتة لورود أُغلقت أفواهها فاختنق العبير في أجوافها. كقطع حلوى تبخر سكرها فأصبحت متحجرة مشبعة بملوحة الأرض..حالها حال صحراء نضب منها الماء.
وفي زاوية لم تطلها يدي كان هنالك لفافة حزمت بشريط أحمر دموي... كاد يفقد أحمراره من كثافة غبار السنين.. أجزم بان هذه اللفافة لم تنهض من غفوتها.. منذ عقد من الزمان.
 أصابني الفضول ..وتمرد في داخلي الأصرار وأقسمت أن اصل اليها لأنظر في عمق  محتواها..لانبش ماضيها على مرأى من عيون حاضرها.
أخذت أفرق عنها كل ماحولها ..أزيل بعثرات الماضي المتهالكه.. وأسمح ليدي كي تصلها. لأتعرف على هويتها..ولاي عهد تعود.
وبعد جهد أصاب جسدي.. وكأنني في خلوة محراب أستحضر خدام المكان.
 وصلت إليها.. حرصت على أن اقبضها بقوة خوفا من أن تفر من يدي.
   كانت تشع حرارة ..ترتجف بفعل الهزال... تنبض في كفي ألما.. تتململ في راحتي ببطء شديد..نفخت ذلك الغبار الثقيل عنها...فتنفس شريطها الدموي.. كدت أسمع أنينها من خلف أصابعي.أبتعدت عن أشواكها..  خوفا من أن تستعيدها مني..فشريعة الامتلاك تعود لها فهي حق مكتسب.
خرجت لشرفة الذكريات.. جلست الى كرسي الليالي.. الذي أبقي على وفائه للشرفة منذ عهود مضت.. وكأن الشرفة والكرسي لهما قصة غرام تغازلان القمر دون علمي..فادمنتا عشقه الأبدي.
إزداد الأنين .. وازدادت رهبتي لكن الأصرار حليفي.. بدأت أنزع عنها الشريط القرمزي.. الذي كان قد لف بإحكام حول خصرها الضامر...شعرت بأنني أجرد عذراء من ملابسها .. أمزق عفة طهرها بإصرار مشاعري..
 شعرت بندم الجرم حين فضفضت لي بمكنون شعورها..لكنني أعلم بانني لم أرتكب جرما في يوم من الأيام ..فانا زاهد ..معتكف على سجادة طهري ..عابد مترفع عن المقت والأذى والألم للأخرين.
رويدا رويدا بدأ ذلك الرباط بالأمتثال..استجاب لشهوة إصراري العارمة. الى أن أستلقى فوق راحتي ممدا ..حرا مستكينا
 لست أدري لربما أنهكته الأعوام.
كانت نفسي تحدثني  كيف أبحت لذاتي كشف المحصنات.. كيف أعطيت نفسي أحقية النظر للعمق.. الذي أحكم اغلاقه؟
لكنني لم أتوقف.. لم تثنيني الفضيلة عن إصراري ..بين لحظة وأخرى كانت اللفافة تفتح ذراعيها بين شراهة نظري..تتجرد من الانكماش..
 يا الله ماهذا؟
يا لطيف ألطف بضعفي ..كيف حصل ذلك؟
من أسكنها ذلك المكان من ذاتي؟
كيف غابت عني وعنها السنوات؟
كدت أسقط على الأرض من هول المفاجأة..ماعدت أقوى..على النطق...ترقرقت الدموع في جفني ..وجفت الإرتعاشة فوق الشفتين.. حين أخبرتني لا صوت بعد الآن ولا خيال..
لكنني إستطعت أن أنطق..أن أدير مركب الحروف..أن أجمع حولي بقايا من الكلمات التي فرت نحو الموت...فخاطبتها :
أيتها الروح أيتها النفس..أيتها الغائبة عني كغياب الدهر عن عمري..أيتها المعذبة التي عذبني غيابها كثيرا...أخيرا وجدتك ياملاذي..يا أبنة العمر...يا شجرة ظلي..يا نبع مائي الذي اختزلته الصخور فضاع منه المرور..كيف لأعوام عمري التي مضت ممزقة أن تعود للديار .لتبيح لمصباح الفجر مؤانسة وحدتي.
أعاهدك بأنني لن أغفل عنك ثانية...لن أترك لهذا العالم المجنون أن يمزق فيك بعدي..لن أترك الاغتراب يقتطعك مني.
إنها روحي أيها العالم الضائع بين ثنايا المثالية..هي رفيقة دنياي وخالدة آخرتي.
وسجينة قلبي ومنقذتي ...فان تاهت ستعود حتما الى مملكتي..لتكون هي العنوان الذي يملكني..

..
محمد العطار..
مصر

ليست هناك تعليقات: