أحلام الدحنون»
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
- 5 -
كانت الأجواء لطيفةً، مشمسةً في ذلك اليوم. تفرد وطفى فراشًا لزوجها أبي عطا، وتضع له الوسائد أمام البيت، بعد أن أعدت له إبريق الشاي على الحطب.
يجلس ويضع الراديو أمامه، وتجلس وطفى إلى جانبه، وتصبّ له الشاي. يدور مفتاح الراديو، فينبعث عبر الأثير صوت سميرة توفيق:
بيت الشعر يا المبني
تحتك عشيري نايم
بالليل يا عيني بالليل
خدو يا قرص الجبنه
يفطر عليه الصايم
بالليل ياعيني بالليل
فيبتسم أبو عطا، بينما كان عطا وهاني يتسلقان الشجرة، وأما دحنون فكان يلهو بصف الحجارة الصغيرة مع أخته خالدة.
يرفع أبو عطا كاسة الشاي إلى فمه، فيتجهم وجهه وتتبدل ملامحه عندما يشمّ رائحة القرفة في الشاي، فينظر إلى وطفى بغضب، فتشعر بالفزع من نظرته الحادة واهتزاز شواربه، ويسألها:
– شو هذا اللي حاطيته بالشاي؟
ترد وطفى بفزع:
– قرفه؟
– ولكِ ما أنا عارف إنها ................؟
– ما هو أنا ما لقيت ميرمية ولا نعنع مشان أحطه على الشاي.
– وتروحي تحطيلي قرفه بالشاي يا حماره؟! طيب ما إنتِ عارفه إني ما بشرب شاي على قرفه؟
– …………………
– طيب، يله قومي، كبّي الإبريق وسوي إبريق ثاني.
ثم يرشقها بمحتويات كاسة الشاي الساخن.
تنهض وطفى حاملة الإبريق والكاسات، وتمشي منكسة الرأس، دامعة العينين، إلى داخل العريشة، لتعيد إحياء النار من جديد كي تُعِدّ إبريقًا آخر من الشاي.
كانا عطا وهاني منهمكان باللهو، لكن دحنون هو وحده الذي رأى ما حدث، وتأثر كثيرًا من تلك القسوة التي تتعرض لها أمه، على الرغم من صغر سنه.
كان أبو عطا يرسل زوجته وطفى كل يوم إلى منزل ابنتهم سحر بغياب زوجها لتزوّدهم بالشاي والسكر، ليصبح الشاي والسكر متوفران دائمًا بعد زواج ابنتهم سحر.
كانت وطفى تشعل النار وهي تذرف الدموع، متظاهرةً بأن سبب دموعها هو الدخان، بينما كانت تعيد شريط ذكرياتها مع أبي عطا.
كانت وطفى الصغيرة، ابنة الثلاثة عشر عامًا، تسمع كثيرًا عن أفعال عواد العبدالله وعدوانيته وانحرافاته.
عدا عن أنه كان مريضًا بالشك، فكان دائمًا يقذف أعراض النساء والبنات العفيفات في قريته.
في الوقت الذي كان حكم الخزاق يتردد كثيرًا على منزل أبيها متوددًا إليه، بالرغم من أنه كان صغيرًا أيضًا، ولم يكن في العمر الذي يؤهله للزواج.
في ذلك الوقت تقدم لها عواد العبدالله، الذي كان يكبرها بحوالي ثلاثين عامًا، فقد كان قد باع أرضه ودفع لأبي وطفى المال ببذخ ليزوجه ابنته.
كانت أوضاع أغوار الأردن صعبةً وقاسيةً في ذلك الوقت، خصوصًا من جراء إزدياد أعداد الفلسطينيين المهجرين بعد النكسة التي أعقبها غزو الجراد، ومن ثم القحط.
ولم يكن أمام أبي وطفى إلا أن يجبرها على الزواج من عواد.
وفي ليلة الزفاف ترفض الذهاب معه، فما كان منه إلا أن جرّها من شعرها إلى منزله، وهناك انهال عليها ضربا بالخيزرانة من الليلة الأولى، لكي تطيعه وترهبه، وأسمعها أقذع الشتائم وأسوأ الإهانات:
– ما ودك إياني يا …………………؟ إنتِ ودك شب هاه؟ أنا ماني معبّي عينِك يا …………………؟
فأذاقها شتى ألوان العذاب والإهانات. وكان عندما يراها واقفةً على باب المنزل ينهال عليها بالصفع والركل، قائلًا:
– لويش واقفه هونا ؟ بمين قاعده بتستني يا …………………؟
فكانت ترجوه دائمًا أن يضربها داخل البيت كما يشاء، لا أمام المارة.
لكنه كان يصرّ على إهانتها أمام الناس، فهو مدرك أن قلبها ليس معه، وأن أحلامها لم تكن معه هو، عدا عن عمره الكبير وبياض شعره، وهما عقدتان كان يعاني منهما.
لأنه لم ينجح بشيء أبدًا في حياته ، ولا يستطيع الاعتماد على نفسه حتى ذلك الوقت، فكان يترقب موت أبيه بفارغ الصبر، حتى يتمكن من بيع أرضه ويتقاسمها مع أخيه عبيد، ويتمكن من الزواج.
يومًا ما دخل المنزل على غفلة، ورآى وطفى تعجن الطحين وتغني:
ما خودش العجوز أنا
لزقه يوقع بالقناه
ليفاجئها بصفعة قوية جعلت البكلة تغرز في خدها، وقال لها:
– ابتتواقحي حتى على نعمة الله؟! مش هيك بنعجن العجين يا …………………؟
أما أخوه عبيد الله، فكان طيبًا جدًا ونشيطًا في الوقت نفسه، بالرغم من أنه من معاقري الخمر، لكن الله رزقه بزوجة ذكية استطاعت أن تدير أمور البيت دون الحاجة إلى أحد.
كان عبيد يحب أولاده جميعًا دون تفرقة، وكثيرًا ما كان يتألم عندما يشعر بأنه قد حرمهم من أبسط حقوقهم بسبب الفقر.
إضافةً إلى ذلك، كان يعطف على وطفى زوجة أخيه المتسلط القاسي.
ففي يومٍ ما كانت وطفى تحاول تجفيف كوفيته على النار، ولم تتنبه إلى أن النار قد حرقت طرفها، فشعرت بالخوف الشديد من معاقبته لها.
فيمرّ بها عبيد، وعندما علم بالأمر قال لها مواسيًا:
– ولا يهمك يختي يا وطفى، أنا بعطيك الكوفية تبعتي، حطيها مكانها.
فشعرت وطفى بالراحة، وشكرته كثيرًا.
لكن عندما طلب عواد الكوفية ليرتديها للخروج، يتفاجأ بأن الكوفية جديدة، بينما كوفيته هو كانت قديمة.
وعندما تحقق من الأمر وعلم أنها تخص أخاه عبيد، انهال عليها بالضرب مجددًا.
«وإلى الحلقة القادمة»
تيسير المغاصبة
7 / 1 / 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق