أحلام الدحنون»
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
- 6 -
كان صوت الراديو يصل إلى سمع دحنون أينما كان وأينما ذهب؛ جلوسه في دولاب البصل، أو تجواله على ضفتي القناة، أو جلوسه تحت الشجرة الكبيرة.
فإن ابتعد عن راديو أبيه، فإن أي راديو في منزلٍ آخر يوصل هذا بذاك، فيبقى الحديث أو الأغنية بلا توقف.
فاكتسب الكثير من الراديو ككلماتٍ ومصطلحات، بل أصبح يمتلك أذنًا موسيقية.
لكن دحنون كان دائمًا يحلم بأن يطير محلقًا في السماء، على خلاف أخوته اللذين كانا يحلمان بأن يصبحا جنودًا.
لقد كان راديو أبو عطا يبث برامجه وأخباره وأغانيه بلا توقف منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، وكاسة شاي الأب لا تفرغ أبدًا من محتواها.
أما في منزل الخزاق، فكانوا يعدّون أمتعتهم لأجل الرحيل إلى عمّان للإقامة هناك بصورة دائمة، وما شجّع علوان على ذلك هو تعيينه للعمل خادمًا في منزل أحد المسؤولين في عمّان.
تبكي وطفى بحرقة لدى سماعها بذلك، ولم تعلم أن أبا عطا قد اتخذ قرارًا مصيريًا لأول مرة في حياته، وهو اللحاق بعائلة الخزاق بمجرد أن يرحلوا، ومهما كانت الظروف، وأنه سوف يضعهم أمام الأمر الواقع.
لكن كيف سيعيش أبو عطا في عمّان، وهو الإنسان الكسول الخمول؟ هذا ما تخبئه الأيام لأسرته.
أبا عطا لا يهتم لأي أمر آخر، طالما أنه بالقرب من عائلة الخزاق فلن يضل.
من جهةٍ ثانية، شاب القلق والخوف الجميع في الغور، بل في جميع الأغوار، بعد أن بدأت التهديدات الإسرائيلية بالازدياد يومًا بعد يوم باجتياح الأراضي الأردنية بشكلٍ واسع عازمين الوصول إلى عمق العاصمة عمّان، وذلك لإجراء مفاوضات من هناك بشأن الفدائيين.
بل لم تعد تلك مجرد تهديدات، لأنها بدأت بحشد قواتها على الحدود بالفعل لأجل تصفية الفدائيين وإنهاء هجماتهم من الأراضي الأردنية.
كان أبو عطا، كالعادة، يجلس أمام النار، يحيط به الأبناء من كل جهة، ويتحدث كما و أنه خبير بكل شيء، معتمدًا على ما يسمعه في الراديو، دون أن يجرؤ أحد على مقاطعته.
بعد ذلك تبدأ أسئلة الأولاد والزوجة. تسأل وطفى دحنون ساخرة، وفي الواقع أن سخريتها تأتي من باب نفاقًها لزوجها:
– دحنون.. اليهود بنتصروا علينا ولا لا يا دحنون؟
يقول الأب متهكمًا:
– أحسن..! إذا دحنون عنده جواب معناته ما ظل حدّا بفهم!
لكن دحنون يفاجئ الجميع بكلامه الذي لا يتناسب وعمره:
– ما بنتصروا من هون ورايح إلا بعد ما أطير بعيد.. بعيد بالسما، وأشوف الدحنون من فوق!
يقول أبو عطا بغيظ:
– إي! اللي تجي بشدوقك إنت، موت بس! وكل إشي بهون!
تقول الأم لأول مرة خارجة عن طبيعتها:
– يا ساتر يا رب، الولد عيونه مثل عيون البومه؟
فيضحك الجميع،وتشتد إنقباضات أحشاء الطفل.
---------------------------
بينما وطفى متوجهة إلى منزل ابنتها سحر لتأتي بالشاي والسكر، تلتقي بعلياء فتقول لها بحسرة:
– خلص، راحله يا وطفى مع هالشايب لعمان؟
فتبكي وطفى كعادتها وترد بحسرة:
– مشان عيالي يا عليا، ما بقدر أدشّرهم.
فتبكي علياء وتقول جادة:
– طيب، سايق عليك الله إنك تعطيني دحنون وخالده مشان أربيهم هون عندي؟
– في وحده بتتخلى عن ضناها يا عليا؟
– اليهود بدهم يهجموا علينا من جهه، وإنتِ رايحه مع الختيار من جهه ثانيه ! حرام عليكِ يا وطفى، عندك عيال يا محلاهم، وين رايحه تضيعيهم؟
– هذي كتبه، وانكتبت عليّ يا عليا.
– بس هذول بظلوا عيال العشيره، اعطيني إياهم. شو بدو يصير إلهم؟ بكره بترجعي لبلدك الغور، لأنه مردّك إلها، وبتلاقي دحنون صار زلمه وخالده صارت مره.
– دخيلك يا عليا، لا توجعي قلبي قد ما هو موجوع، بخاطرك.
تتابع وطفى طريقها إلى منزل ابنتها سحر، بينما تذهب علياء إلى دحنون لتوديعه.
-------------------------
يطلب أبو عطا من وطفى أن تذهب إلى منزل أبيها لإبلاغ ابنه سامي، الملقب بـسنبل، العودة إلى المنزل ليرحل معهم إلى عمّان.
فتذهبت مصطحبةً معها دحنون، ويعودا به سريعًا.
وسامي هو الأخ التوأم لعطا، وكان يعيش بصورة دائمة عند جده، فلم يكن يطيق أبيه أبدًا بسبب إساءته معاملة أمه، ففضّل العيش مع جده.
لم يكن دحنون يعلم أن له أخًا رابعًا إلا عند رؤيته له. فعندما رأى سنبل أخاه دحنون، وتأكد من قسوة الجميع عليه، أحبه وبدأ بالتودد إليه، لكنه لم يتخلَّ عن سخريته به كما وأن ذلك طقوس للعائلة.
لم يكن سنبل يشبه توأمه عطا؛ فقد كان لونه حنطيًا، بينما عطا كان أبيض البشرة.
وفي الحقيقة، كان الأسمر الوحيد في عائلة عواد العبد الله هو هاني، وكان أهل الغور يقولون:
«هذا الوحيد الذي نعتبره منا».
لكن لونه كان يزعجه جدًا، ليصبح عقدةً فيما بعد.
أما أبو عطا، فلم يكن يجيد في حياته سوى الإنجاب وتناول الطعام والتدخين وشرب الشاي والاستماع إلى الراديو.
والآن، وطفى تحمل في أحشائها الولد الخامس.
فهو لن يستطيع العيش بعيدًا عن علوان وأسرته، ولا عن كفاية رفيقته بالرذيلة.
في تلك الليلة، تجتمع أسرة عواد العبد الله كاملة لأول مرة حول النار، يصبّون الشاي ويستمعون إلى أحاديث أبي عطا المزخرفة، مضيفًا إليها من خياله:
– اليوم يا عيال بس إحنا في الغور، وبكره بنرحل على عمّان مشان نعيش هناك على طول.
يسأل عطا:
– يابه، كيف شكل عمّان؟ احكيلنا عنها.
– عمّان هذه عاصمة بلدنا، ما بها عتمه بالمره، مليانه عمدان كهربا على طول الشوارع، وبها ميّ نظيفه، وعمارات عالية، وجبال خضرا وورد.
تقول وطفى وهي تنظر إلى دحنون:
– بتعرف شو فيها كمان يا دحنون؟
– إيش يمه؟
– فيها ورد الدحنون مثلك.
يبتسم دحنون خجلًا، فينظر أبو عطا إليه بغيظ ويقول:
– شوفو كيف انبسط! اللي تيجي بشدوقك!
يتجاهل دحنون سخرية الأب وشتائمه، بالرغم مما تتركه في نفسه من وجعٍ ، ويتابع، بينما وطفى تضحك منافقة زوجها كالعادة.
– وكيف شكله يمه؟
– شكله أحمر، مثل خدودك هيك.
– طيب، وشو فيه كمان بعمان؟
– بكره بتشوف، فيها ورد من كل الألوان، وفيها خضار وجبال وشجر.
فيهيم دحنون في خياله، يرى نفسه محلقًا بأجنحة في السماء، بأجواء عمّان فوق جبالها وتلالها، دون أن يكون قد رآها سابقًا.
«وإلى الحلقة القادمة»
تيسير المغاصبة
10 / 1 / 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق