السبت، 17 يناير 2026

قصة تحت عنوان{{أحلام الدحنون}} بقلم الكاتب القاصّ الأردني القدير الأستاذ{{تيسير المغاصبة}}


أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
– (8) –
بينما كان دحنون شاردَ الذهن بذلك المشهد الكئيب ، يفاجئه الأب من الخلف، فيرفعه من جدائله بيدٍ واحدة ليصبح معلّقًا كالثريّا، ثم يوجّه له عدة صفعات على وجهه، بينما وطفى تنظر دون أن تستطيع فعل أي شيء.
يقول له الأب شائطًا بغيظ، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة:
– إنت بتفكّرني نسيت فعلتك قبل الركوب يا ملعون،وكيف حولت الرحلة لنكد وغم ؟ وبعدين إنت جبان وما بدك تحارب مشان تظلّك قاعد بوجهي، يله ،بلا من هذول الجدائل؟
ثم يُخرج شبريّته من حزامه – سلاح أشبه بخنجرٍ رفيعٍ حادّ الطرف – ويجذّ جدائله ويقطعهن، ثم يتركه يسقط من علوّ، ويقول له:
– يله روح اقلب وجهك بهالشدوق!
بقي دحنون صامتًا، بينما علوان ينظر مبتسمًا، مستمتعًا بالمشهد، فكراهيته لدحنون لا تقل أبدًا عن كراهية الأب له، فيقول محاولًا استفزاز أبا عطا أكثر:
– شوف شوف عيونه كيف بطلع عليك هههههه، والله غير ينتقم منك لمّنه يكبر؟
– يجعله ما يكبر! هو أنا بدي أستناه لمّنه يكبر؟
* * * * * * *
يتجوّل دحنون مستكشفًا، ناظرًا إلى داخل بيت الشعر من شقٍّ إلى شقٍّ آخر، فبعد تجاوزه شقّ عائلته، ينظر داخل الشقّ الثاني، فيرى مشهدًا لم يكن غريبًا عنه، فقد رآه قبل ذلك في مكانٍ آخر؛ إذ كان الرجل الأسود وزوجته في وضعٍ حميمي، لم يسترا نصفهما العلوي، وكانا أشبه بالقطط، لم ينتظرا حتى يخيم الظلام ليسترا أنفسهما عن الأنظار .
يراه الرجل فيقول له صارخا:
– امشي يا ولد من هون!
فيتجاوز ذلك الشقّ إلى الذي يليه، ليرى علوان جالسًا، وقد أجلس أخته سحر على ركبتيها كالأسيرة، ويوجّه لها أقذع الشتائم والإهانات، والصفعات، ويغرزها بإبرة الخياطة بين الحين والآخر،وتصرخ مع كل غرزة :
– أنا أخذتك من خشّه، لا مش من خشّه، أخذتك من جحر مثل العِرْسة (الفأرة الكبيرة) يا واطيه!
– .....................
– والله برميكي زي الكلبه بالشارع!
– .....................
– هسّا، وقبل ما نصل دارنا، أي غلطه بسفخِك على وجهِك، سامعه يا جعانه؟
ثم ينهض ويأمرها أن تضع رأسها على التراب، وعندما تفعل، يضع قدمه فوق رأسها، وهي مستسلمة، لا تفعل شيئًا سوى ذرف الدموع بصمت.
وفي الحقيقة، ما يصدر عن علوان يُعدّ شيئًا طبيعيًا لإنسانٍ قذر، خصوصًا عندما يلتحق بوظيفةٍ لدى مسؤول، حتى لو كان عمله مجرد خادمًا.
يتابع دحنون تجواله أمام ثوب الثعبان الأسود، الممتلئ بشتى أنواع الثعابين البشرية المتنوعة، وما يراه ومايشتمه من عفن ونجاسة ونتانة.
يعترض طريقه أحد الأقارب، سادًّا عليه الطريق، فيجثو أمامه، ركبةً على التراب، وأما الركبة الثانية فمرفوعة. يقرّب وجهه منه، وينظر في عينيه نظراتٍ حادة، حتى يكاد يلامس وجهه، فتمتد يده بين فخذيه، ليضغط كالكماشة  بإصبع الشاهد والإبهام بقوة، ويقول له بقسوة ووقاحة:
– ما هذا، وله؟
تكاد عينا دحنون  تدمعان من شدة الألم. تمرّ وطفى مبتسمة، وتلقي التحية على هذا القريب، وكأن ما يفعله يعد  أمرٌ عادي:
– والله دحنون هذا مغلّبنا، وشلونك عمّتي يا شلاش؟ وشلون أمك؟ خلص، إنتو بدكو تظلّو بعمان؟
– آه، خلص، رحلنا هون يا عمّتي.
تتابع وطفى مرورها، فتكون فرصة دحنون ليلحق بها فزعًا. لكن تلك الأفعال القاسية لم تنتهِ، سواءً معه أو مع غيره من الأطفال.
تجلس أمه مع بعض النسوة. يتلفّت دحنون حوله، فيرى طفلة في الرابعة من عمرها ترتدي فستانًا قصيرًا دون أن تكون مرتدية  تحته ما يستر عورتها. تجلس فاردةً ساقيها، وتضع فوق فستانها، على حجرها، قِطَع حلوى الحلقوم، وتأكل بسعادة.
تطلب منها امرأة خمسينية أن تطعمها، فترفض الطفلة. هنا تمدّ المرأة إصبعها من بعيد مستفزة الطفلة، مشيرةً إلى ساقيها  بمعنى أن  كل شيء لها ظاهر ، فتشعر الطفلة بالإهانة والاستفزاز معًا، فتجهش بالبكاء، رافسةً بقدميها، فتتناثر حبات الراحة هنا وهناك، فتقوم المرأة بالتهامها بكل هدوء أعصاب.
كان دحنون يشعر بالقلق من أفعال الجميع وقسوتهم وسوء سلوكهم،وسوء أخلاقهم ، ويشعر بأنه غريب في الدنيا الواسعة. 
* * * * * * *
قبل مغادرة علوان، يقترب منه أبا عطا ويهمس إليه:
– ما بلاقي معك، عمي، نص نيره مشان أشتري خبز وشاي وسكر؟
فيثور علوان معزرًا، وهو يخرج محفظته:
– وبعدين معاك؟ هو إنت بدك تعيش عاله علي ؟! عيب عليك يا عمي! هو إنت لحقتني على عمّان مشان أصرف عليك؟ شو هو، إنت بدك تظلّك قاعد من غير شغل، ولا بدك تقضيها شحدة؟ روح اشتغل مثل اللي بشتغلوا!
ثم يخرج من محفظته نصف دينار ويقول له:
– خذ، ودورلك على شغل. عامل، ناطور بالورشات، المهم ما بدي أشوفك قاعد. إنت فاهم يا عمي؟
– فاهم، فاهم يا عمي.
تمرّ أيام على عمل أبا عطا في ورشاتٍ تحت الإنشاء، فيشتري خيمة كما فعل باقي الأقارب، وينصبها إلى جانب ورشة، ويستمر في عمله بالبناء نهارًا، وعمله كحارسٍ ليليٍّ للورشة ذاتها.
ينطلق دحنون متنزّهًا على التلال، متأمّلًا الحشائش والأزهار، حتى يصل إلى سور إحدى الفلل، فيرى...
"وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبة

14 / 1 / 2026 

ليست هناك تعليقات: