السبت، 3 يناير 2026

قصة تحت عنوان{{أحلام الدحنون}} بقلم الكاتب القاصّ الأردني القدير الأستاذ{{تيسيرالمغاصبه}}


«أحلام الدحنون»

رواية

بقلم:

تيسير المغاصبة


(1)


تصطفّ العرائش وبيوت الطين المسقوفة بجذوع الأشجار وورق النخيل على امتداد القناة في قرية الماصورة بالأغوار الجنوبية.

يتراكض الصبية حول البيوت والأزقة في لهوٍ لا ينتهي؛ منهم من يغطس في القناة للاستحمام، ومنهم من يجرون ممتطين جذوع الأشجار متخذين منها أحصنةً جامحة، ومنهم من يجرون وراء بعضهم بعضًا.

أمّا الصغيرات فكنّ يلعبن بالحجارة مقلدات «البصّارات»، أو ينطن الحبل مرددات:

«شبره، أمره، شمس، نجوم».

أمّا الصبايا فيتوشوشن ويتهامسن ويضحكن، ويتنقلن من منزل إلى آخر.

منزل عواد العبد الله، أبو عطا، يبعد قليلًا عن تلك البيوت، وهو الأقل إتقانًا، ويُعرف بنوافذه وأبوابه المحطمة، وبالشجرة الكبيرة المعمّرة الجاثمة أمام منزله مباشرة فوق التلّة.

يبقى أبو عطا جالسًا على فراشه يستمع إلى الراديو، لا يفارقه أبدًا.

وذلك بعد مرور أيام قليلة على الهزيمة الكبرى التي مُني بها العرب، المسماة بالنكسة، حيث كانت الجراح لا تزال تنزف وبشدّة.

تتوسّع دولة الاحتلال على حساب اقتطاع أراضٍ عربية، ومنها احتلال ما تبقّى من الضفة الغربية لنهر الأردن.

بلا شك، هي هزيمة أخرى جعلت من العدو «الجيش الذي لا يُقهر»، لتنتهي الحرب بستة أيام.

تتلفّت «وطفى» زوجة أبو عطا حولها، فتسأل بقلق:

– وين الولد يا شينين؟ وين أخوكو دحنون؟

ترد «سحر» الابنة الكبرى بتهكّم:

– يعني وين بدّه يروح أبو شدوق يمّه؟ بتلاقيه هسّى قاعد بدولاب البصل، برعى مثل الغنم! هو هذا بشبع؟

يضحك الأب بعد أن ينفث سحابةً كبيرة من دخان الهيشي، يتبعها بسعلة طويلة، ويقول:

– هههههههه والله إنّك صادقة.

فتتابع سحر:

– والله يا بَه إنّه وجه شؤم علينا، يقطع إلّي سمّته هالاسم!

تقول الأم معاتبة:

– عيب، عيب عليكي يا سحر تحكي هيك على قرابتك، هاي بعمر أمّك!

– مو عيب ولا إشي.

– هاي عاشت بعمان وحبّت ورد الدحنون، مشان هيك سمّته دحنون.

تقول سحر بغيظ:

– قال دحنون قال! الله يقطعه بهالشدوق، حتى العدو انتصر بسببه! عمّه خاين!

ترد الأم ضاحكة:

– ههههههه هسّى دحنون متعاون مع اليهود؟ حرام عليكي، هذا بعده ولد جاهل!

تنهض الأم بصعوبة بسبب ثقل حملها الجديد، لتقف على باب العريشة وتنظر متلفّتة باحثة عن دحنون، وهو الولد الأصغر بين ثلاثة أولاد وبنت.

فتراه يفترش التراب، وبيده رغيف خبز الصاج، منهمكًا بقطف أوراق البصل الأخضر، يلفّها بقطع الخبز ويأكل.

تدخل من جديد، فيمرّ أخوها الجندي «فالح» ويقول مداعبًا:

– قوّك يا أبو البصل! ما شاء الله، الوجه أحمر والطاقية حمرا!

تسمع الأم كلام أخيها الذي سلّمه الله لها من المعركة الشرسة:

– والله يا فالح إنّه دحنون هو إلّي كسبها دون خوانه، على دوره ربّينا جاج، وكل يوم بوكل بيضه مسلوقة، وبعدين سجّلته برعاية الأطفال إلّي فتحوها الأجانب.

– ما شاء الله.

يقترب فالح من دحنون، يحمله ويطبع قبلةً على جبينه، ويدخل به إلى الخيمة ويقول:

– دستور يا عرب؟

ترد وطفى:

– هلا يخوي، فوت فوت يا فالح.

أمّا سحر فلا تزال ترمق دحنون بغضب، مصدّقة أفكارها بأن الطفل ذا السنتين جاسوسٌ للعدو!

فقبل ذلك، وأثناء وجود العائلة في الخندق، تسأله ببلاهة وهي ترتجف خوفًا:

– هيه… إنت يا أبو شدوق، جاوبني: اليوم في غارة؟

فيرد دحنون:

– آه، طبعًا فيه غارة.

فتشتمه بغضب وسط ضحكات العائلة:

– يلعنك بهالراس!

وبالفعل تغيّر الطائرات على القرى.

يضحك الأب ويقول من خلال ضحكته المنخفضة، لكنها تحمل الكثير من المعاني:

– والله عليوم إنّه الغارة تشيلك!

تقول سحر:

– والله إنّ هذا الولد خاين!

أمّا إن سألته وكانت إجابته «لا»، فبالفعل لا تحدث أي غارة طوال اليوم.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، يقع دحنون طريح الفراش من شدّة تأثير الحصبة، ولا يتوقّع أحد نجاته.

بلا شك، سيموت كغيره من الأطفال المتأثّرين بالحصبة.


وإلى الحلقة القادمة

تيسيرالمغاصبه 

١ / ١ / ٢٠٢٦ 

ليست هناك تعليقات: