الجمعة، 23 يناير 2026

قصة تحت عنوان{{أحلام الدحنون}} بقلم الكاتب القاصّ الأردني القدير الأستاذ{{تيسير المغاصبة}}


أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
-11-
تمرّ أيام على انتهاء مدة العزاء، ويشوب القرية هدوء ثقيل. يخرج دحنون للتنزّه قرب القناة، يشاهد الأولاد وهم يسبحون، ويمرّ من أمام مجلس الرجال فيسمع بعض أحاديثهم. قال أحدهم:
-والله يا رجل، المسؤولين قالو زمان إنهم بدهم يمدّو للقريه ماسورة ميه كبيره، وبعدين يساوّو إلنا حنفيات مشان نشرب منها ميه نظيفه بدال ميّة القناه لملوّثه. قمنا فرحنا كثير وبطلنا نقول غور المزرع، صرنا نسمّيها غور الماسوره، بس ما مدّو  إلنا أي ماسوره، ولا حتى الغور اطوّر!
يقول رجل آخر:
-يا رجل، هذه الغور قريه منسيّه، والله غير تكبر بنتي الزغيره وتصير جدّه ، والماسوره بعدها ما انمدّت.
تمرّ امرأة بالرجال وتقول لأحدهم منبّهة:
-يا أبو محمد، إلحق بستانك، إلحق، عيال عمّان خرّبوه خراب يا زلمه !
يردّ الرجل بهدوء وحياء وخيبة أمل:
-يا خيتي  ما بقدر أحكي معا هم، هذول عيال وطفى، ما بدي إياها تزعل مي.
وأثناء عودة دحنون من نزّهته يرى أمّه برفقة علياء، ومعهنّ شوال خيش كبير متّجهات به إلى البستان، فيذهب معهنّ، ويشاهدهنّ وهنّ يقطفن الفول والفاصولياء ويعبّئن الشوال لطفى لتأخذه معها إلى عمّان.
مع المساء تصل المركبتان اللتان ستأخذان عائلتي عواد وعلوان إلى عمّان، فتبدأ وطفى بتوديع قريباتها بالدموع، شاكية الغربة والبعد، وحينًا آخر تجهش بالبكاء بصوتها الرفيع المرتفع.
تتحرّك المركبتان في رحلة العودة صعودًا إلى الكرك، ومن ثم عبر الطريق الصحراوي إلى عمّان.
ما إن تصل المركبتان إلى عمّان حتى تبدأ وطفى، كالعادة، في إيقاظ أولادها:
-يلّه يا عيال، هينا وصلنا عمّان. قوم يا دحنون شوف عمدان الكهربه، قوم شوف لضواو!
وفي الواقع لم تكن عمّان أحسن حالًا بالمعنى الصحيح؛ فلم يكن فيها إلا أعداد قليلة من أعمدة النور في بعض الأماكن، مع كثرة الجبال والتلال وأصوات الكلاب الضالّة، فكان الظلام حالكًا أيضًا.
* * * * * * * *
في الصباح الباكر، وقبل ظهور الضوء، تفتح وطفى رواق الخيمة الكئيبة وتتوجّه إلى الورشة، فتقوم برشّ الجدران حديثة البناء بالماء، ثم تعبّئ البراميل بالماء للعمّال، وتتفقد أدواتهم قبل حضور المتعهّد الذي إن لم يرَ العمل منجزًا على أكمل وجه يرفع صوته معزّرًا أبا عطا ومهدّدًا إياه بالطرد. ولهذا السبب تقوم هي بكامل المهام الموكلة لزوجها، بينما هو، كالعادة، لا يزال مستغرقًا في النوم.
بعد ذلك تملأ تنكتها بالماء لتفرغها في جرّة العائلة للشرب، ثم تقوم بعجن الدقيق وتتركه مغطّى ليتخمّر، بينما تشعل النار تحضيرًا لإعداد خبز الصاج.
منذ اللحظة الأولى يسمع دحنون خطوات قدميها ونفخها في يديها وحكها ببعضها  لتدفئتهما من نسمات الصباح الباردة، فيشعر بالراحة والأمان. يتأمّل أعمدة الخيمة الخشبية ويستمع إلى صريرها حتى يظهر النور، فيخرج إلى حيث أمّه وهي جالسة تخبز، فيجلس إلى جانبها يمطرها بالأسئلة، فتجيبه بضيق وهي تؤدّي مهامها اليومية التي لا تنتهي أبدًا.
أمّا في منزل علوان، فبعد خروجه إلى عمله كخادم لدى المسؤول المعروف، تصحو سحر متأخّرة من نومها،وقد ورثت كسل الأب ! فتفتح النوافذ لدخول الشمس إلى باحة المنزل وتبدأ بالتنظيف. ولم يكن لمنزلها سوى مجرى تصريف واحد لمياه التنظيف، وهي تمنع من قبل الجارات من محاولة إستعماله ،تجري المياه  من خلال هذا المجرى مغرقة الأدراج الطويلة الضيّقة لتصل إلى آخر منزل في المنحدر الضيّق. وما إن ترى الجارات المياه أمام أبوابهنّ حتى يتتبّعن مصدرها، وعندما يعلمن أنها من عندها يذهبن إليها وقد استشاطن غضبًا لتعزيرها على فعلتها.
وبما أنها كانت مهزوزة وضعيفة الشخصية أمام الغرباء، لم تكن تردّ عليهنّ، ولكنها كانت تبكي كالطفلة الصغيرة أمام صراخهن في وجهها.
فهي تربت على الذل والقهر من قبل زوجها القاسي عواد .
 لكنها كانت تعوّض ذلك كلّه بالتعبير عن غضبها بالإساءة إلى أخيها  دحنون المضطهد من قبل العائلة، بالشتم والتنمر كلما رأته، بحقد لا يخفى أبدًا، محمّلته مسؤولية كل ما يحدث للعائلة، بل للبلد كلّها.
لكن ماأن تخلو بنفسها حتى تدرك بأنها كانت تغش نفسها ،وأن دحنون مجرد طفل صغير لاحيلة له ،ولايضر ولايفيد،لكن في الوقت نفسه لاتستطيع التراجع عن معتقدات العائلة التي  اصبحت معتقدات  راسخة في عقولهم.
* * * * * * * * 
تذهب كفاية إلى الشميساني لتمرّ بخيمة أبي عطا، وما إن تصل وتراه جالسًا على باب الخيمة وحده يستمع إلى الراديو حتى تعلم أن الظروف دائمًا في خدمتها.
وفي الحقيقة هذا ما يحدث؛ فالأولاد الكبار في المدارس، بينما كانت وطفى في زيارة لإحدى قريباتها النفساء، مصطحبة معها خالدة وزهير، هاربة عن دحنون لتخفيف المجهود عليها.
ما إن يرى أبا عطا كفاية حتى ينشرح صدره، فينظر حوله متفقدًا المكان، ثم يستقبلها كالعادة بالقبل. وقبل أن يدخلها إلى فراش وطفى الغائبة، يتفاجأ بدحنون آتيًا من وراء الخيمة وقد رأى كل شيء.
فتقول كفاية بغيظ:
-هذا البوم، ويش بساوي هونا؟ ليش ما هو مع أمّه؟
يمسكه عواد من شعره الناعم الطويل رافعا إياه عن الأرض ،فيتذكر دحنون على الفور حادثة قطع جدائلة فيصرخ من شدة الألم ،فيوجه له الأب عدة صفعات من شدة الغيظ ،فيصمت دحنون بعد تلك الصفعات لأن  الإهانة كانت بالنسبة له أشد من الضرب،  فيقول له الأب  بحزم:
-اسمع  وله ، يلّه من هون، روح شوف أمّك عند أي مره وإلحقها!
فيتركه ليسقط على ركبتيه بقوة .
يجري دحنون مبتعدًا باحثًا عن أمّه، وقد علم بمجرد رؤيته لكفاية، أم علوان، ماذا سيفعلان؛ فالخيام لا يمكن أن تخفي الخطيئة.
* * * * * * * * 
بعد تجمّع افراد العائلة كلّها يقول أبو عطا لوطفى:
-وهي أخوكي خلف مات بسبب عيون ولدك دحنون الواسعة مثل عيون البوم؟
تصمت الأم مصدّقة كلامه-هكذا يحدث عندما يتوغل الجماعة بضلالة المعتقد- بينما يضحك جميع إخوة دحنون لهذا الوصف ، فيغمزهم الأب بخبث أن: «أحضروه إليّ»، ويكون قد أعدّ مسمارًا محمّى على النار. يذهب إخوة دحنون إليه ويحضرونه، فيثبّتونه له ليكويه بالنار، تاركًا له علامة على وجهه الجميل .
لم يصرخ دحنون من لسعة النار بقدر مايصرخ في كل مرة يتعرض بها للاهانة والقهر ،فأنه في كل مرة يتحطم بداخله شيئا .
ويستمر الإذلال عند رؤية الاقارب والجيران له وتذكيرهم بما فعلوا به ،وضحكاتهم الساخرة منه.
في ظهر اليوم التالي، حيث كان الطقس جميلًا، محرضا القطط على التزاوج ،يكون أبو عطا في الورشة، وخالدة وزهير مستغرقين في نوم عميق ، بينما سنبل وعطا وهاني في مدارسهم. أمّا دحنون فكان يلهو بعيدًا عن الخيمة.
يصل حكم، يرى أن وطفى وحدها، فيضمّها هذه المرّة إلى صدره ويطرها بقبلات الشوق المتتابعة ، فتستسلم لضمّته كالعادة، ثم يغلق باب الخيمة. فتقول بقلق:
-ليش هيك؟ شو بدك تساوي ياحكم ..بلا الولد يشوفنا ..دحنون مو بعيد من هونا؟
لكنه يجذبها إليه ليبالغ في تقبيلها، وهي تحاول الابتعاد قائلة:
لا... لا يا حكم... لا!
وفي تلك اللحظة تنطلق صرخة مرتفعة من خارج الخيمة.

                      "وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبة

21 / 1 / 2026 

ليست هناك تعليقات: