الثلاثاء، 17 فبراير 2026

قصة تحت عنوان{{احلام الدحنون}} بقلم الكاتب القاصّ الأردني القدير الأستاذ {{تيسير المغاصبة}}


"احلام الدحنون"
بقلم:
تيسير المغاصبة
– 18 –
تستمر حياة سامي وتصرفاته بشكل طبيعي، بل وأحيانًا يتصرّف بمبالغة شديدة في سلوكه ليثبت أنه لا يزال هو سامي، لم يتغيّر عليه شيء.
وأنه لا يزال يرى بالقوة نفسها، وأنه لم يفقد عينه، وأنها لا تزال موجودة.
ولا يزال يصرّ على الذهاب في الموعد المحدد للانتساب للجندية.
كان يُخفي حبّه لدحنون، كما وأن هذا الحب يُعدّ كفرًا أو ذنبًا لا يُغتفر، وسيُحاسَب عليه، أو عيبًا يعرّضه للسخرية.
وبدأ يصطحب دحنون معه في كل مشاويره، سواء أكانت المهام المكلّف بها من قبل الأب كالتسوّق، أم نزهاته الحرة.
لكنه عندما يرى شوق دحنون للنزهات كان أحيانًا يكذب عليه، فيعده باصطحابه إلى مكان ما، ثم يتركه مخلفا وعده ويهرب عنه، ليراه دحنون مبتعدا ذاهبًا فوق التلال البعيدة .
فكان يسرّ كثيرًا بشوق دحنون وشغفه بالنزهات البعيدة.
أما عطا، فيصبح شبيهًا بأبيه من حيث القسوة والشك  والعنف على دحنون وعلى غيره.
يذهب عطا ومعه سامي حسب الموعد المحدد للالتحاق بالجندية، لكن مع المساء يعود سامي منكّس الرأس بخيبة أمل كبيرة بعد أن يُقبل عطا ويُرفض هو.
وفي هذا اليوم يذهب سامي في رحلة بعيدة وحده ضاربا الحصى بحذاءه طوال الطريق، رحلة طويلة دون اصطحاب دحنون معه، ويعود ليلًا للنوم.
تتنقّل عائلة أبو عطا، وحسب ظروف العمل والظروف المعيشية، من ورشة إلى أخرى، وتُهدم الخيمة، وأحيانًا تُستأجر غرفة في حارة شعبية في منطقة وادي صقرة، مع وجود مرحاض شعبي مشترك لعدة بيوت.
يمضون عدة أسابيع، وما يلبثون أن يعودوا إلى تلال الشميساني لحراسة الورشات (عمارات تحت البناء)، فتنصب الخيمة كالعادة.
أحيانًا يعمل أبو عطا عاملَ مياومة، ويكون استلام الأجر كل أسبوع.
وفي ذلك اليوم يصطحب أبو عطا هاني معه إلى السوق، فيشترون الدجاج لغذاء يوم الجمعة، والخبز وبعض المستلزمات.
كان دحنون دائمًا يجلس مع أمه ويحدّثها كالعادة، ويمطرها بالأسئلة الكثيرة التي لا تخلو من الحرج، عن كل ما يراه.
فمنها ما يترك في نفسها الغصة والكثير من الضيق والخجل والتوتر:
— يمه، هو أبوي مجوّز كفايه كمان؟
تعضّ على شفتيها وتقول:
— وطي صوتك يا مقصوف الرقبه  لا تفضحنا.
ثم تعود لتسأله بفضول:
— لأ... ليش؟
— عمني كنت أشوفهم مع بعض و...
ثم يصمت.
فتقول وطفى بغيظ:
— تراك قرقعتني يا ولد واوجّعت راسي!
— طيب يمه، بصير إنو المره تجوّز ثنين؟!
— لأ... ما بصير... ليش بتسأل يا ولد؟!
— طيب ليش...
ثم يصمت.
— احكي يا ولد، ويش بدك تقول؟
لا يجيب، لكنه يغيّر سؤاله:
— يمه؟
— والله طِمّه! "أي تدفن بالتراب "الله يغثك مثل ما غثّيتني... أيوه؟
— أنا بكره أبوي... يعني الله بحطني بالنار؟
ترد وقد تعكّر مزاجها منذ بداية الحديث بصوت خفيض:
-"والله نار إلي توكلك؟".
ثم تقول له:
— اسكت يا ولد ودشّرني بحالي.
لم يكن الأب نائمًا كما اعتقدت الأم، بل كان قد سمع الحديث من بدايته، وقد اهتزّ شاربه من شدة الغيظ، لكنه لم يتكلم لأنه لم يُرِد أن تعرف وطفى أنه سمع كل شيء.
* * * * * * * 
يطلب سامي من دحنون أن ينتعل حذاءه ليصطحبه معه في نزهة، فيخشى أن يتركه ويهرب عنه كما كان يفعل أحيانًا حين يتركه وهو مشغول بالبحث عن حذائه، فيضطر للذهاب معه حافي القدمين.
وفي طريق العودة مساءً يأخذه سامي من درب آخر مليء بالأشواك الطويلة التي تصل إلى منتصف طول دحنون.
فعندما يراها دحنون يقول غاضبًا متوترًا:
— ياربي... كيف بدي أمشي هسا؟
وبخطوة واحدة تغرز الأشواك بقدمه، فيصرخ:
— شوك... شووووووك؟
يضحك سامي بشدة ليزيد من توتره، فهو كثيرًا ما يخيف دحنون أو يستفزه لأنه شديد الغضب، وهو يحبه وهو غاضب.
ثم يقول سامي كذبًا:
— آه يا دحنون..هو إنتي مابتدري؟
— شو؟
— هون جوا الشوك في كثير من لكلاب والحيايا... تراهن ما بنعدن متخبيات بيه!
ثم يتظاهر بأنه سيتركه ويهرب عنه، فيجري مبتعدًا لمسافة طويلة قافزا من فوق الأشواك ، فينفجر دحنون صارخًا :
-لاتتركني هون بقدرش أمشي من الشوك؟
وبعد قليل يعود إليه ليحمله على كتفيه ويتابع الطريق.
في اليوم التالي، حيث كانت السماء ملبّدة بالغيوم، يكون دحنون قد نسي حدث نزهة الأشواك ، فيعرض عليه سامي أن يرافقه في نزهة أخرى جميلة ، فيطير دحنون من شدة البهجة.
تقول له الأم:
— الدنيا سقعة يا ولد، إلبس على حالك، وغير بنطلونك الوسيع، لمهردن"الغير جميل" بيه هاظا؟
يرفض دحنون خوفًا من أن يتركه سامي ويهرب عنه، فيذهب معه بالثياب المهترئة ذاتها،
وفي طريق العودة تفاجئهم السماء بقسوتها فتمطر عليهم بغزارة  ويستمر هطول الأمطار دون توقف.
ولندرة الشوارع المعبّدة، بل وانعدامها في منطقة سكنهم الجديد ، ساروا في الحقول المحروثة المعدّة لنثر البذار.
كانت سيقانهم في كل حين تغوص في الطين حتى يصل إلى ما ما فوق الركبة، وتشتد العواصف قسوة، وترميهم السماء بحبّات البرد الكبيرة الحجم كالحجارة.
يعلو صراخ دحنون، وشتائم سامي للدنيا وللبلد والناس ولكل شيء.
تتحوّل كثير من الأماكن إلى مستنقعات وبرك، فيجاهدان في المشي محاولين الوصول إلى خيمتهما.
تكاد الأرض تبتلعهما.
يستمر صراخ دحنون:
— يمه... يمه... سامي طلعني .. طلعني  يا سامي!
لحظات، ولم يسمع سامي صوته، ليتنبّه بعد ذلك أن المستنقع الطيني قد جذب دحنون للعمق و أوشك على ابتلاعه ، وكاد رأسه يختفي كليًا.
ولولا طول سامي لما استطاع الوصول إليه.
يصرخ سامي خوفا بعد إختفاء صوت دحنون:
— دحنون... يخوي يا دحنون!
أخيرًا استطاع إنقاذه وسحبه من المستنقع، لكنه خرج فاقدًا حذاءه وسرواله معًا في الطين، وممزّق أزرار قميصه، وهو يصرخ غاضبًا:
— ولك بنطلوني... بنطلوني... وين بنطلوني؟
ويفقد سامي أيضًا فردتا حذاءه الاثنتان ، وكانا يعلمان أن مشكلة   ثانية تنتظرهما عند الوصول  بسبب ضياع  أحذيتهما، حتى لو كانت أحذية بلاستيكية من النوع الرخيص،  التي اشتراها لهما الأب قبل يومين فقط، وحتماً سيغضب ويعزرهما.
هذه المرة كان سامي يشتم كل شيء ويضحك في الوقت نفسه على منظر دحنون.
وأخيرًا يصلا إلى خيمة الأسرة بعد رحلة لا تُنسى في حياتهما.
ينفجر الجميع ضاحكين لدى رؤيتهم دحنون عاريًا إلا من قميص بلا أزره بعد رحلة معاناة وخوف لاتنسى.
تقول الأم:
—ههههههه يييييي يا ساتر يا رب هههههه وليش مارميت القميص كمان.. تعال يمه، تعال أنشفك وألبسك هدوم مشان تقعد جنب النار.
أما الأب فيقول ساخطًا:
— إنتو ليش ما متّو غاد يا ملاعين؟! ولكو وين كنادركو يا كلاب؟
يضحك سامي ويقول بخيبة أمل:
— غرقن بالطينه مع بنطلون دحنون! ههههههه؟
فيرد الأب صارخا:
— بتضحك !! ولكو يا عيال الحرام، ما هو أنا قبل يومين اشتريتهن إلكو! يعني لو بعتكو إنتو لثنين بتيجو حقهن؟!
ثم يضيف وهو يرمقهما بغضب وخيبة أمل :
— الله يسهل عليك يا عطا... والله إنك بتسواهم كلهم هالهمل!
بينما هاني لا يتوقف عن الضحك ساخرًا منهما.

                        "وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبة

14 / 2 / 2026 

ليست هناك تعليقات: