حينَ يَتَفَجَّرُ الصَّبْر 2
"في الطَّريقِ إلى بَيْروت"
الطَّريقُ لَمْ يَكُنْ طَريقًا،
كانَ نَهْرًا مِنَ البَشَر
يَجْري
نَحْوَ لا شَيْء،
بِسُرْعَةِ الخَوْف.
الأَسْفَلْتُ الَّذي عَرَفْناهُ
طُولَ عُمْرِنا تَحْتَ أَقْدامِنا،
بَدا اليَوْمَ
كَأَنَّهُ يَجْهَلُنا،
أَو رُبَّما
نَحْنُ الَّذينَ
بَدَأْنا نَجْهَلُ أَنْفُسَنا.
فَما الاسْمُ
الَّذي يُمْكِنُ أَنْ يُنادِيَ بِهِ المَرْءُ نَفْسَهُ
حِينَ يَتْرُكُ بَيْتَهُ
فِي الثّالِثَةِ فَجْرًا
وَيَمْشي
بِلا ماضٍ يُسعِفُهُ
وَلا مُسْتَقْبَلٍ يَنْتَظِرُه؟
أَمامَنا عَجوزٌ
تَمْشي بِعَكّازِها
عَلَى الأَسْفَلْت،
لا أَحَدَ بِجانِبِها،
تَمْشي
كَأَنَّها تُعاقِبُ الأَرْضَ
عَلَى ما جَرى لَها،
وَكَأَنَّ الأَرْضَ
لا تُبالي.
وَخَلْفَنا رَجُلٌ
يَحْمِلُ وَلَدَهُ المَريض،
يَضُمُّهُ
كَأَنَّهُ يُحاوِلُ
أَنْ يُثَبِّتَ رُوحَهُ
فِي جَسَدٍ
يُوشِكُ أَنْ يَتَسَرَّب.
وَبَيْنَنا
كُنَّا نَمْشي…
لا نَنْظُرُ إِلَى بَعْضِنا كَثيرًا،
لِأَنَّ كُلَّ وَجْهٍ
كانَ مِرآةً
لِما نُحاوِلُ أَلّا نَراه.
لا عَسْكَرَ عَلى الطَّريق.
لا دَوْلَة.
لا جَيْش.
لا أَحَد.
فَقَطْ إِشاراتُ المُرورِ الصَّفْراء
تُومِضُ في الفَراغ —
تُومِضُ لِلرِّيح،
لِلْغُبار،
لِطَريقٍ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ
إِلَى أَيْنَ يَأْخُذُنا.
كَأَنَّها
وَحْدَها
ما زالَتْ تُصَدِّقُ
أَنَّ لِهذِهِ الحَياةِ
نِظامًا.
سَأَلَتْ أُمِّي بِصَوْتٍ خافِت:
" لوَيْن؟"
قالَ أَبِي:
"شَمالًا…"
قالَت:
"وَيْن بالشَّمال؟"
صَمَت.
وَفي صَمْتِهِ
كانَ يَحْمِلُ طَريقًا
أَثْقَلَ مِنَ الطَّريقِ الَّذي نَمْشيهِ —
طَريقَ رَجُلٍ
يَقودُ عائِلَتَهُ
نَحْوَ جِهَةٍ
لا يَثِقُ بِها،
وَلا يَمْلِكُ غَيْرَها.
رَنَّ هاتِفُهُ.
صَوْتٌ مِنْ بَيْروت:
"فيكُم تيجوا عِنّا… عِنّا مَكان."
قالَ أَبِي:
"شُكْرًا."
وَأَغْلَقَ الخَطّ.
نَظَرَ إِلَى أُمِّي،
نَظَرَتْ إِلَيْهِ،
وَفي تِلْكَ النَّظْرَةِ
تَفاوَضا
عَلى كَرامَةِ عُمْرٍ كامِل —
كَيْفَ يَدْخُلانِ بَيْتًا
لَيْسَ لَهُما،
وَكَيْفَ يَخْرُجانِ مِنْهُ
دُونَ أَنْ يَنْكَسِرَ شَيْءٌ
لا يُرَى.
عَلَى جانِبِ الطَّريق
تَوَقَّفَتْ سَيّارَةٌ فاخِرَة،
وَخَرَجَ رَجُلٌ
بِقَميصٍ أَبْيَض،
يَرْفَعُ هاتِفَهُ،
يُصَوِّرُ النَّهْرَ البَشَريّ.
نَظَرَ إِلَيْنا
كَما يُنْظَرُ
إِلَى مَشْهَدٍ مُؤْلِم
لا يَمَسُّ صاحِبَه.
أَرادَ أَبِي أَنْ يَقولَ شَيْئًا،
أَمْسَكَتْ أُمِّي بِيَدِهِ —
لِأَنَّ بَعْضَ الكَلام
يُهْدَرُ
فِي غَيْرِ وَقْتِهِ.
أُخْتِي الصَّغيرَةُ
سَأَلَتْ مِنْ بَيْنِ نَوْمِها:
"وَيْن أَخوي؟"
لَمْ يُجِبْها أَحَد.
لَكِنَّ الجَوابَ
كانَ يَرْتَفِعُ خَلْفَنا،
فِي ذاكَ الدُّخانِ
الَّذي كُنّا
ما زِلْنا نَراهُ
فِي الأُفُقِ البَعيد —
يَرْتَفِعُ
كَأَنَّ الجَنوبَ
يُلوِّحُ لَنا
بِيَدٍ مُحْتَرِقَة.
الطَّريقُ لَمْ يَكُنْ طَويلًا
بِالكيلومِتْرات،
لَكِنَّهُ كانَ
أَطْوَلَ رِحْلَةٍ
فِي تَاريخِ هذِهِ العائِلَة،
لِأَنَّ كُلَّ مِتْرٍ
كانَ يَزيدُ المَسافَةَ
بَيْنَنا
وَبَيْنَ مَنْ تَرَكْناهُ
وَراءَنا،
يَقِفُ
وَجْهًا لِوَجْهٍ
أَمامَ كُلِّ ما نَهْرُبُ مِنْه.
حِينَ دَخَلْنا بَيْروت،
رَأَيْنا الأَضْواء،
المَطاعِم،
النّاسَ الَّذينَ
لَمْ يُوقِظْهُمْ شَيْء.
قالَتْ أُمِّي،
لا لِأَحَدٍ بِالتَّحْديد،
قالَتْها لِلزُّجاجِ،
لِلَّيْل،
لِنَفْسِها:
"كَأَنَّهُمْ ما سَمِعوا…"
وَسَكَتَت.
وَفَجْأَة —
بِلا مُقَدِّمات،
شَعَرْتُ
أَنَّنا لَمْ نَصِل.
لَمْ نَكُنْ فِي بَيْروت.
كُنّا
فِي نُسْخَةٍ أُخْرى
مِنَ العالَم،
عَالَمٍ
يَمْشي فِيهِ النّاسُ
بِكُلِّ أَعْضائِهِم،
وَنَمْشي نَحْنُ
بِنُقْصانٍ
لا يَراهُ أَحَد.
نَظَرْتُ إِلَى وُجوهِهِم —
كانَتْ كامِلَة.
وَنَظَرْتُ إِلَيْنا —
كُنّا أَقَلَّ مِنْ عائِلَة.
كُنّا
فَراغًا
يَتَحَرَّك.
عِنْدَ أَوَّلِ إِشارَةِ مُرورٍ
فِي بَيْروت،
تَوَقَّفْنا.
لَيْسَ لِأَنَّها حَمْراء…
بَلْ
لِأَنَّنا
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ
مُنْذُ خَرَجْنا،
اِنْتَبَهْنا…
أَنَّ عَلِيًّا
لَمْ يَعُدْ يَمْشي مَعَنا.
✍️ محمد الحسيني ــ لبنان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق