"أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
(2)
لم تتوقف القناة عن جريانها، لكن توقفت حافلة خط "الكرك – الصافي – الماسورة" قربها ليقوم السائق بتبريد الحافلة، ومن ثم يتابع رحلته بعد أن تمتلئ الحافلة بالركاب الجدد من وإلى الكرك.
بعد ذلك يمرّ راعٍ بأغنامه يوردها على القناة، تشرب وتترك مخلفاتها في القناة وعلى أطرافها.
يدخل عبيد منزل أخيه أبو عطا للاطمئنان على دحنون، أو بالأحرى ليستعلم إن كان قد مات أو لا يزال يحتضر!
لكن عندما يرى وَطفى زوجة أخيه تذرف الدموع بحرقة خوفًا على ولدها، بالإضافة إلى مقاساة آلام الشهر الأخير لحملها، وهي لا تستطيع التحرك من كبر بطنها،
يقول متأثرًا، وهو يتصف بكثير من الطيبة على عكس أخيه أبو عطا المتسلّط:
– لا حول ولا قوة إلا بالله… وحدي الله يا ختي، وحدي الله؟
يقول أبو عطا بلا مبالاة، وهو لا يزال ملازمًا للراديو:
– إي، بكفي يا حرمه، صرعتيني بصوتِك، إذا بدو يموت خليه يموت، يعني هو بدو يكون أحسن من إلّي ماتوا قبله؟
عند ذلك يتحول بكاء وطفى إلى نشيج لا ينقطع، فحين يرتفع صوتها، وحينًا آخر ترتمي على الأرض بإعياء شديد وتتقيأ.
أما عبيد فيكاد أن يبكي مما يرى.
يقول أبو عطا موجّهًا كلامه لعبيد:
– تعال تعال يا عبيد، أقلط جاي، تعال اقعد، علامك واقف؟
– أنا ماني جاي أقعد يا خوي، كان في باص واقف عند القناة، لويش ما أخذت الولد ورحت بيه على المستشفى بالكرك؟
– يا رجل والله إنك فَسقان، وأنا من وين إلي مصاري مشان أوديه على الكرك؟ أنا ماني لاقي حق دخان!
– طيب يا رجل، كان وديته على الرعاية هانا.
– يعني شو بدها تسويله الرعاية؟ الولد موات؟!
عند ذلك يعلو صراخ وطفى:
– دخيلك يا عبيد، الولد بطل يتحرك بالمرة، وأنا ماني عارفة أمشي، خذه إنت على الرعاية؟
يقول عبيد:
– ولا يهمّك يا ختي، إبشري.
يجري إلى دحنون ويحمله، ويجري به راكضًا إلى الرعاية الأجنبية.
-------------------------------
تذهب علياء بصحبة سعاد إلى القناة؛ علياء تريد أن تشرب وتملأ جرّتها، أما سعاد فكانت تحمل خِرق صغيرها لتغسلها من مخلفاته.
تقول سعاد بحزن:
– شايفة شو صار بصاحبِك دحنون إلّي سميتيه إنتِ؟
تتنهد علياء وتقول بحسرة:
– يا حرام، الله أعطاه لعيلة ما بتستحقه، الأب غول والأم هبلى، دايمًا بقلها الولد مزيون وكأنه من عيال عمّان، لا تخليه طاش برّا قدام عيون النسوان ليروحن يحسدنه، بس المرة ما بترد عليّ؟
– آه والله يا ختي يا علياء، بس عبيد أخذه وراح بيه ركض على الرعاية لجنبيه.
تبدأ سعاد بغسل خِرق صغيرها وتقول بقلق:
– والله ريحة وسخ الولد قوية، الله يستر ما تكون صابته الحصبة هو كمان؟
– لا، لا تفولي عليه يا إنثاه.
تبدأ علياء بشرب الماء حتى الارتواء، من بعد مجرى أوساخ خِرق صغير سعاد إلى الماء النظيف، فتقول:
– والله الميّة طعمها بول يا ختي يا سعاد؟
تنظر سعاد إلى مسافة من بعد علياء، فترى ولدًا يبول في القناة من جهة شربها، فتمد يدها وهي لا تستطيع التوقف عن الضحك:
– هههههههه، لِدّي غاد، وشوفي بعينِك يا علياء! هههههههه
تنظر علياء وترى الولد الصغير الذي اختلط بوله بماء القناة، فتقول صارخة:
– يييييي، الله يخزيك! ههههههه
لكن لو نظرن إلى الاتجاه الآخر من بعدهن، لرأين امرأة تملأ جرّتها على مجرى مخلفات ابن سعاد دون أن تعلم.
--------------------------------
بينما وطفى تترقب طريق الرعاية حيث أخذ عبيد ولدها دحنون، ترفع يديها إلى السماء مناجية ربها، وهي تذرف الدموع:
– يا الله… أنا ما معي قروش مشان أذبح إلك، بس إذا رديت إلي ابني بالسلامة، غير إني أرفع راية بيضا شكر.
من بعيد ترى وطفى عبيد عائدًا، لكن دون دحنون، فتصرخ قائلة بصوت متحشرج:
– ولدي؟
لتبدأ مع صرختها آلام الوضع.
( وإلى الحلقة القادمة)
تيسيرالمغاصبه







