الاثنين، 2 فبراير 2026

قصة تحت عنوان{{أنتِ جميلة}} بقلم الكاتب القاصّ اللبناني القدير الأستاذ{{محمد الحسيني}}


بين القلبِ والشَّفَتَيْن (2)
«أنتِ جميلة»

كانت تقفُ أمامَ المرآة.
وأنا،
أجلسُ على حافةِ السرير خلفَها،
أنتظرُ الخروج…
ولا نخرج.
لم تكن تستعدّ،
كانت تُحارِب.
تمسحُ أحمرَ الشفاه،
تضعه،
تمسحهُ من جديد.
تتنفّسُ بإحباط،
وتهبطُ كتفاها
كمن ألقى سلاحهُ أخيرًا.
قالت،
بصوتٍ متعب:
«لا أعرف…
لا شيء يبدو صحيحًا اليوم».
اقتربتُ.
وقفتُ خلفَها.
رأيتُ وجهَها في المرآة.
عيناها محمرّتان قليلًا،
كأنّ بكاءً مرَّ من هنا
وترك أثره.
شعرُها—
ذلك الذي أمضت ساعةً
في ترتيبه—
كان يتساقطُ على كتفيها
كحريرٍ لا يعرفُ الخطيئة.
وجهُها…
الذي أحفظه
تفصيلةً تفصيلة،
كانت تنظرُ إليه
وتراه ناقصًا.
وأنا…
كنتُ أراه
وأختنق.
«أنتِ جميلة…»
الكلمةُ صعدت من صدري
كصرخة،
ووصلت إلى فمي
همسًا تائهًا.
قالت:
«ربما أُلغِي الموعد…
لا أشعر أنني بخير».
كانت ستلتقي
بعائلةِ خطيبها
للمرّة الأولى.
وكان الخوف
أكبر من المرآة.
وأنا…
كنتُ ابنَ عمّها.
الصديق.
الظلّ الآمن.
وكنتُ أحبّها
منذُ كنّا طفلين
نركضُ في حديقةِ جدّتي.
أحببتُها
حين كان شعرُها قصيرًا
وأسنانُها
تحتضن تقويمًا.
أحببتُها
حين صارت
الفتاةَ التي يلتفتُ لها الجميع
ولا تدري.
أحببتُها
كلَّ يوم.
لكنني
لم أقل شيئًا.
اخترتُ الصمت.
اخترتُ أن أكون
الكتف،
لا القلب.
اخترتُ أن أراها
تحبُّ رجالًا آخرين،
وأن أُصلِح قلبَها
كلّما كُسِر،
بينما قلبي
مكسورٌ
منذ البداية.
والآن،
كانت أمامي،
تستعدُّ
لرجلٍ سيأخذها
إلى الأبد.
نظرتُ إليها في المرآة:
عضّتها الخفيفة
على شفتها السفلى،
يديها المرتجفتين
وهما تحاولان
تثبيت القرط،
وخوفها
من ألّا تكون
كافية.
وغضبتُ.
عليها.
على المرآة.
على العالم
الذي جعلها
تشكّ
في جمالها
ولو لحظة.
«أنتِ جميلة».
كانت الكلمة
تحرقُ لساني.
تريدُ أن تخرج
كاعتراف،
كنهاية
لسنواتٍ من الجبن.
لكنني قلتُ:
«تبدين رائعة…
سيحبّونكِ».
ابتسمتْ.
ابتسامةً صغيرة،
لا تصدّق.
قالت:
«تقول ذلك
لأنك ابنُ عمّي».
نعم.
لأنني ابنُ عمّك.
المحكومُ عليه
أن يكون طيّبًا،
داعِمًا،
وصامتًا.
كان يمكنني
أن أقول الحقيقة:
أنكِ لستِ جميلة فقط،
أنكِ الحياة
حين تُفكِّر بالانسحاب.
أنني أحفظُ صوتَ ضحكتك
كما تُحفَظ الآيات.
أن كلَّ امرأةٍ مرّت في حياتي
خسرت
حين قارنتُها بكِ.
لكنني…
لم أفعل.
التفتتْ نحوي،
أخذت حقيبتها،
وسألت:
«هل أنا فعلًا بخير؟»
وفي تلك الثانية،
كان يمكن لكلِّ شيءٍ
أن يتغيّر.
لكنني قلتُ:
«أنتِ أكثر من بخير».
قبّلتْ خدّي قبلةً سريعة،
وخرجت.
بقيتُ وحدي.
في غرفتها.
أمام المرآة.
رأيتُ رجلاً
يُجيد الصمت
ولا يعرف الشجاعة.
ثم قلتُها.
أخيرًا.
«أنتِ جميلة…
يا الله،
أنتِ أجملُ ما رأيتُ
في حياتي».
قلتُها
للغرفة،
للمرآة،
للأثرِ الذي تركتْه
في الهواء.
وبكيتُ.
كطفلٍ قال الكلمة
بعد فوات الأوان.
وبعد شهرين،
وقفتُ شاهدًا
في زفافها.
دخلتْ بفستانٍ أبيض،
وسمعتُ الهمس:
«ما أجملها».
وابتسمتُ.
ابتسامةً مكسورة.
لأنني
كنتُ أعرف.
لكنني
لم أخبرها.
ولم تسمعها
مني
أبدًا.

✍️ محمد الحسيني ــ لبنان

 

ليست هناك تعليقات: