أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
-19-
كان دحنون قد عثر على صورة جميلة ملوّنة لـ"سانتا كلوز"، وقد أحبّها كثيرًا. كانت لرجلٍ عجوز يصعد في عربة تجرّها الغزلان، ومعه شوال كبير ممتلئ بالهدايا، والثلوج من حوله.
وفي السهرة، رأى هاني الصورة بيد دحنون وهو سعيد بها، فقال له:
_ هذا بحكو عنه بابا نويل اللي بجيب هدايا للأولاد بالعيد وهمّه نايمين؟وكل ولد بعلق فردة جرابته على تخته وبيجي بابا نويل وبحط إله لعبه بيها؟
ينشرح صدر دحنون ويقول بشوق:
_ عن جد؟ يعني رايح يجيب إلنا هدايا؟
_ لأ ولك، هذا بجيب هدايا بس لأولاد المسيحيين.
_ مين همّه المسيحيين؟
يقول هاني وهو سعيد بمعرفته:
_ همّه ناس دينهم بختلف عن دينّا.
لكن دحنون شعر بخيبة أمل كبيرة لأن توزيع الهدايا لن يشمله. فقال عطا :
_حرام تقولو بابا نويل؟هذا اسمه سانتا كلوز؟
كان الأب يستمع إلى أحاديثهما باهتمام حتى انتهيا، فقال:
_ إنتو هسّه يا عيال بتعرفوا شو هي ليلة القدر عند المسلمين؟
يصمت دحنون كالعادة، لكن يجيب هاني وسامي معًا:
_ لأ، شو هي؟
فيشعر الأب كالعادة بالثقة الكبيرة الناتجة عن جهل الأولاد ويقول:
_ هاي بتجي مرّه وحده بالسنه.
يسأل دحنون أمّه متجاهلًا حديث أبيه:
_ يمّه.. ليلة القدر شكلها حلو؟
تردّ بضيق:
_ أيوه حلوه يا ولد، هسّع خلّينا نفهم.
يتابع الأب:
_ بهالليلة اللي بتصادف فيها ليلة القدر، لو إنّكو طلعتوا برّا، بتشوفوا كل العمارات والشجر وعمدان الكهربا ساجدين لله.
تأمّل دحنون عمدان الخيمة وسقفها، وقال في نفسه:
"الخيمة أمرها هيّن إن هي سجدت فوقنا، بس شو بكون وضع العمارات؟!"
فيقول موجّهًا سؤاله للأم متجاهلًا الأب ثانية:
_ بس مش هيك لما الدور تسجد يموتوا الناس اللي فيها؟
تردّ بجواب تلقائي دون فهم:
_ لا يا دحنون، بتسجد بدون ما تنهدّ.
_ كيف يمّه؟!
تردّ بضيق:
_ ما بعرف يا ولد.. ما بعرف.
_ يعني قصدي لما العمارات تسجد كيف الناس بدهم يطلعو منها؟ يعني بظلّو منبطحين على ظهورهم؟
_ هسّع اسكت يا ولد، خلّينا نسمع.
ويتابع الأب:
_ وبعدين كل إشي بتطلبه من الله بهاي الليلة بتحقّق إلك بسرعه.
يقول هاني بفرح:
_ يا سلام! يعني كل إشي بتحقّق شو ما كان؟
_ أيوه، كل إشي.
_ أنا رايح أطلب قصر!
يقول سامي:
_ أمّا أنا بدي عماره من عشر طوابق وسيّاره.
أمّا دحنون، فبالرغم من أنّه لم يصدّق تمامًا مايسمع، إلا أنّه استرسل في أحلامه من جديد. خرج من الخيمة ليلًا ليرى السماء صافية ،والنجوم تتوهّج كالثريّات، والعمارات والأشجار وأعمدة النور، كلّ شيء ساجد لله. يتدلّى إليه من السماء حبل مربوطة به درّاجة هوائيّة جميلة، وذلك أبسط ما كان يتمناه.
يبتسم ويغفو على ركبة أمّه.
في الصباح الباكر، ومع شروق الشمس، كان دحنون يلهو مع العصافير في الطقس الجميل، مستمتعًا بالحشائش والأزهار؛ حينًا يلاحق الفراشات، وحينًا آخر يتدحرج فوق الحشائش الرطبة مستمتعًا برائحة الأزهار.
ومع انبعاث صوت سميرة توفيق:
اتنقّل يا غزالي
يا بو عيون السّود
وغيرك ما يحلالي
يا بو عيون السّود
من مذياع الأب الكائن أمام الخيمة إلى جانب فراشه، فوقف يرقص مع الأغنية.
يستلقي فوق الحشائش ثانيةً مستمتعًا بدفء الشمس، متأملا ريشة نعام عثر عليها، يغمض عينيه ويمرّرها على عنقه، يشعر بالغيرة، يضحك ويُبعدها،ومن ثم يعيد الكرة.
يرى عطا قادمًا من بعيد باتّجاه الخيمة مرتديًا زيه العسكري، منتعلًا بسطاره (حذاءً عسكريًا)، يضع على رأسه الطاقيّة وفي مقدّمتها التاج، ويحمل بيده البندقيّة.
كان عطا قد انتهى من مرحلة التدريب العسكري ومُنح إجازة، وقد بدا أطول من قبل.
يشعر دحنون بسعادة غامرة، يجري إليه ليقف أمامه بفرح، لكن عطا يبتعد عنه متجاوزا إياه كأنّه لا يراه، ويتابع طريقه إلى الخيمة.
يستقبله الأب والأم بدموع الفرح، وكان دحنون لأوّل مرّة يرى الدموع في عيني الأب شديد القسوة.
كان سامي يقف بعيدًا متأمّلًا زيّ عطا وبندقيّته وبسطاره، ثم يستدير مسرعًا ليغادر المكان. قالت الأم منادية سامي:
_ تعال يمّه يا سامي، سلّم على أخوك عطا ،وبارك إله؟
لكن سامي لم يردّ ويتابع مشيه. يتنبه دحنون إلى وجود سامي الذي كان قد وعده بنزهة جديدة، فيلحق به قائلًا:
_ استنّاني يا سامي.
لكن سامي يعود إليه ليقبض عليه كالوحش المفترس وهو ينفث بشدة، يرفعه من يديه عاليًا فيلوّحه كالريشة ثم يرميه بعيدًا ليقع فوق الحجارة.
تنطلق من دحنون صرخة واحدة من شدّة السقطة ثم يصمت. تقول الأم صارخة:
_يابيييييه شوفو كيف شال الولد ورماه!
يهزّ عطا رأسه أسفًا.
أمّا الأب فينظر إلى سامي وهو لا يزال يمسح دموع الفرح بطرف كوفيّته ويقول:
_ ولك لويش سويت هيك؟ الله يلعنك!
يدهش دحنون هذه المرة من الأب الذي دافع عنه ولو بالكلام فقط. ثم يغفو.
وسط بهجة لقاء عطا، ينسون دحنون الذي راح في إغفاءة لأكثر من ساعة.
يقول الأب:
_ ليش ما تروحو تشوفوا هالولد؟ ليكون مات.
لكن دحنون يصحو متألما بعد ذلك على لعقات قطّته لوجهه وأذنيه. ثم ينهض ويمشي مبتعدًا عن الخيمة متحسسا أماكن الألم والكدمات.
يجلس فوق التلّة متّكئًا على صخرة. من بعيد يرى صديقته لينا ذاهبة في نزهة بصحبة أسرتها: الأمّ وإخوتها الاثنان الكبيران اللذان كانا بعمر عطا وسامي.
كانوا يمشون في الطريق الوحيد المعبّد، يمسكون بيدي لينا ويؤرجحونها طوال الطريق، بينما سروالها الأسود الجلديّ الثمين يلمع مع نور الشمس.
واستمرّوا في أرجحتها حتى اختفوا عن نظره.
يستلقي دحنون من جديد فوق الحشائش والأزهار النديّة، ليطلق العنان لأفكاره و أحلام اليقظة من جديد: قصر كبير ممتلئ بالخدم والحرس، تعجّ فيه الحياة، وكان هو الأمير الصغير والجميع من حوله في خدمته يسهرون على راحته.
ثم يتأمّل الغيوم، ليرى نفسه محلّقًا بينها، متنقّلًا من غيمة إلى أخرى.
فيقول في نفسه:
"نعم، هكذا أفضل بكثير… فأنا لا أودّ سوى أن أطير، أتمنّى فقط أن أطير محلّقًا مبتعدا.. بعيدًا..بعيدا".
"وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبة
18 / 2 / 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق