أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبه
-22-
أصبح سماع صوت إطلاق النار شيئًا عاديًا، فلم يعد الأهالي يأمرون أولادهم بالعودة إلى المنازل والخيام، ولم تعد هناك حاجة للجوء إلى الورش للاحتماء بها.
سرعان ما كان التآلف ما بين عائلة أبي عطا والجيران الجدد؛ عائلة أم لؤي، في المنزل القريب جدًا من خيمة أبي عطا، بل أصبحوا يستضيفون عائلة أبي عطا في منزلهم، ويقدمون لهم الشاي والحلوى والفطائر، ويسهرون معهم على مشاهدة التلفزيون.
وكان دحنون يشعر بسعادة غامرة لهذا التغيير، بالرغم من أن ابنتهم في عمر لينا، إلا أنهم لا يسمحون لها بالخروج للعب مع الغرباء مطلقًا، وقد اعتادت على ذلك وأصبحت مقتنعة به.
تطل عبر الشاشة المغنية الشعبية ميسون الصناع بزيها الشعبي وشعرها الأصفر، تضع على عينيها نظارة سوداء. كان دحنون قبل ذلك يستمع إليها عبر الراديو، ولم يكن يعلم بأنها جميلة. فهو يتابعها الآن بسعادة غامرة، ويردد معها بصمت، محركًا شفتيه فقط:
يا شوقي يلّه أنا وياك
علغور نزرع بساتين
لزرع لحبي ثلاث وردات
وأسقيهن من ميّة العين
تستمر السهرة بالأحاديث، مع حرص كلا الطرفين على عدم التطرق للأوضاع الراهنة. يتابعون التلفزيون الكبير جدًا، على شكل صندوق له أربعة قوائم، منظره يثير الشغف.
حتى يُطرق الباب، ولا ينتظر الطارق من يفتح له، إذ يدخل شاب طويل القامة، عريض المنكبين، ملثم بكوفية بيضاء مطرزة بالخيوط السوداء. ما إن ينزع الكوفية وتظهر ملامحه، عابسًا قاسيًا، يلقي التحية باقتضاب.
بعد أن يرد الجميع التحية، يقول أبو عطا:
-يلّه يا وطفى... يلّه يا عيال، كافي هيك، خلي الناس ينامو؟
تقول أم لؤي:
-لسه بكير، ما هينا آعدين يا وطفى؟
-بدري من عمركِ هههه، بلاش تضايقو منا، هههه، بكفينا ثقالة دم؟
-لا لا، عيب هالحكي يا وطفى، إنتو بتشرفونا بكل وقت.
يقول هاني:
-يابه، خلينا شوي؟
يرد الأب بحزم:
-لا يا ولد، بكفي هيك، ولدهم الكبير إجا وبدو يرتاح.
لم يكن دحنون يعلم بحقيقة ذلك الشاب، وخروج الأسرة تاركين سهرة جميلة، مختلفة جدًا عن روتين أسرته وأحاديث أبيه في الخيمة عند حضوره. فكم كان دحنون يبغض ذلك الشاب ولا يرتاح لوجوده.
* * * * * * * * *
عند المساء، وبعد أن تكون عجينة وطفى قد اختمرت في إنائها، تشعل النار تحت الصاج لتبدأ في تقطيع العجينة إلى أرغفة، وترقّها في الإناء الواسع صغير الأطراف، لإعداد خبز الشراك.
بينما دحنون يجلس قبالتها، متابعًا عملها الدؤوب المتقن، بأسئلته التي لا تنتهي:
-يمّه، ليش لما يجي لؤي ابن أم لؤي إحنا بنروح؟
-عمنه بجي تعبان وبدو ينام.
-من وين بجي يمّه؟
-من الشغل يا ولد، يعني من وين بدو يجي؟
-طيب ليش بفوت زي...
-زي إيش يا ولد؟!
-زي الحرامي...
-اسكت يا ولد، وبلاش تطوّل لسانك على جيرانك، وبلاش حكي، تراك قرقعتني!
كان دحنون مدركًا أن أباه وأمه يهربان من الحديث عن شيء هام.
تبدأ وطفى بحمل قطع العجين، وتنقلها من يد إلى أخرى حتى يتمدد الرغيف ويصبح كبيرًا ورقيقًا، ثم ترمي به فوق الصاج وتقلبه كل حين حتى ينضج، فترفعه وترمي بغيره.
يقول دحنون:
-يمّه، قرفشي إلي رغيف زغير؟
-طيب يمّه، بس لمني أخلص خبز، بقرفش إلك واحد.
عند الانتهاء، تُجهّز وطفى رغيفًا صغيرًا لدحنون، فيبدأ بالتهامه بشغف، بينما ترفع وطفى الصاج وتبعده، ثم تقوم بفرم رأسين من البصل إلى قطع صغيرة، وتعجنها مع آخر عجينة، مكوّنة رغيفًا كبيرًا سميكًا، تدفنه في الرماد وتغطيه بالجمر.
بعد أن ينضج الرغيف، ترفعه وتضربه بالعصا لتزيل عنه الرماد، ثم تقطعه داخل إناء، وتسكب فوقه الجميد السائل (لبن)، ثم تعجنه بيدها لتجعل منه "فتّة"، وتضيف السمن البلدي فوقه ليصبح "فتّة قريص"، وهي وجبة عشاء تؤكل بالأصابع.
حيث تكون الأسرة على موعد معها في يوم خبز الشراك.
* * * * * * * *
بعد اغتسال يوم الجمعة، يطلب دحنون من أمه أن تجدل له شعره، فترفض بسبب الإرهاق الناجم عن كثرة المهام ، فيذهب إلى سعدى غاضبًا. فتستقبله سعدى بالقبل والضم كعادتها، وتقول:
-بس هيك يا حياتي؟ أنا رايحه أسويلك أحلى جدايل، تعال اقعد بحضني حبيبي.
فتبدأ بالغناء له بينما تقوم بتجديل شعره:
شوقي يا شوقي... يا بو الجديله... يا شوقي
وجهك هالمحبوب يا شوقي... يسوى قبيله
والله والله ..يسوى قبيله
حبك يا غالي... شاغلي بالي... خدك بيلا لي
يا شوقي وعينك كحيله... والله والله ..عينك كحيله
كان دحنون يستمع إلى غناء سعدى مبتسمًا بسعادة، وعندما إنتهت قال لها:
-حسك حلو كثير يا سعدى؟
ترد بسعادة:
-عن جد يا دحنون؟
-آه والله.
-طيب شو بتحب أغنيلك كمان؟
-غنيلي لميسون.
-ميسون الصناع؟ ،طيب، لميسون:
قطعت أنا حدود سوريا
وأنا على الولف دوّاره
يا صاحب الشق وافتحلي
ومن الغور جيت دوّاره
بعد أن انتهت سعدى من تجديل شعره، قال لها:
-الله يبعت إلكِ يا سعدى عريس حلو؟
تحتضن دحنون وترد بحسرة:
-منين يا حسرة... لا حلو ولا حتى سعدان! من وين بدو يجيني العريس وإحنا بعمان؟ والله عمان قطعت نصيبي يا دحنون.
تمر وطفى وبيدها بعض أرغفة الخبز وتقول ممازحة:
-شو شايفكِي واقعه بدحنون ونازلين غزل ببعض؟ هههه، ليش ما توخذيه عريس إلكِي؟
-يييي يا حسره! لو إنه كبير والله غير إني أجوزه وأغسل جريه كل يوم وأشرب ميتهن!
-يا سلام لهالدرجة! هههه... شو عاجبكِي فيه؟ شدوقه؟
-والله إنه نوارة خيمتكو، بس إنتو منتو حاسين فيه.
في المساء، يدخل علوان الخزاق ومعه اثنان من الأقارب، وكان يتلفت يمينًا ويسارًا بشكل مريب، كأنه رجل شرطة يبحث عن مطلوب.
"وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبه
6-4-2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق