جنوب لا ينزح من القلب 4
"النبطية — حين اختارت المسيّرة"
المشهدية الأولى
"الأربعمئة دولار"
دريد لم يكن يفكر في الحرب.
كان يفكر في الحوالة.
أربعمئة دولار كل شهر تُرسل إلى حلب.
تدفع الإيجار،
وتشتري الطحين،
وتسدّد قسط مدرسة الولد الكبير.
أربعمئة دولار كانت تعني أن العائلة ما تزال واقفة.
هذا كان العالم كله بالنسبة له.
المزرعة في النبطية الفوقا — قرب ملاهي "مدينة فرح" التي صارت صامتة منذ بدأت الحرب — كانت أمانته.
صاحب الأرض رحل منذ الأيام الأولى وقال له:
— يا دريد، الأرض بعهدتك.
ثم غادر.
أما دريد فبقي.
ليس لأنه لا يخاف،
بل لأن الخوف لا يرسل حوالات.
كان يسقي الزيتون،
يراقب التبغ،
ويحرس ما تركه الناس خلفهم.
وفي الليل، يجلس على عتبة الغرفة الصغيرة الملاصقة للمزرعة، يسمع الغارات البعيدة ويحسب في رأسه:
كم بقي على موعد الحوالة.
ميساء كانت ابنته الوحيدة معه.
اثنا عشر عامًا.
عيناها سوداوان كعيني أمها، وضحكتها تشبه ضحكة لا تعرف أنها جميلة.
جاءت قبل ثلاثة أشهر.
قالت له يومها:
— بابا، أنا بساعدك.
وساعدته فعلًا.
كانت تحمل الماء للشتول الصغيرة، تجمع الزيتون الساقط، وتطبخ على الموقد.
وفي الليل تسأله:
— لما ترجع الناس عالضيعة… منرجع نحنا كمان عحلب؟
فيجيبها دائمًا:
— لما ترجع الناس… منرجع.
المشهدية الثانية
"سوق النبطية"
في ذلك الصباح قرر أن ينزل إلى السوق.
بعض الحاجيات فقط.
ما تبقى من سوق النبطية كان يحفظه عن ظهر قلب: خضري، صيدلية، وبقالة واحدة ما تزال تفتح بابها بعناد.
أما بقية الواجهات، فإما مغلقة أو مفتوحة على الركام.
ميساء أصرت أن ترافقه.
— بدي آجي معك بابا.
— الطريق مو وقت تمشاية يا ميساء.
— ما رح يصير شي… أنا معك.
ابتسم.
وأجلسها خلفه على الدراجة.
الطرقات كانت شبه فارغة.
الريح تمر بين الأبنية المفتوحة، والزجاج المكسور يلمع على الأسفلت تحت الشمس.
وفوق كل شيء، كان هناك ذلك الطنين البعيد.
الطنين الذي صار جزءًا من السماء.
أوقف دريد الدراجة أمام محل أبو حسن.
أبو حسن رجل في الستين، بشاربين أبيضين ووجه متعب يشبه واجهات السوق.
نصف محله في الداخل، ونصفه الآخر على الرصيف.
الخضار مرتبة بعناية كأن الترتيب نفسه نوع من المقاومة.
قال مبتسمًا:
— أبو دريد… نوّرت.
— كيفك يا أبو حسن؟
— الحال ماشي.
ثم أشار إلى صناديق الخضار:
— اليوم جاني جزر وبطاطا… خد.
ميساء كانت تنظر حولها: إلى الزجاج المكسور، إلى الشارع الفارغ، وإلى الرجل الذي بقي في محله رغم كل شيء.
سألته فجأة:
— ليش ما رحت؟
نظر إليها أبو حسن للحظة، ثم قال:
— وين بدي روح يا بنتي؟
هاد المحل صار عمره أكتر مني شوي.
ضحكت.
أما فوقهم، فكان الطيران لا يغادر السماء.
يدور ببطء،
كأنه يحفظ المدينة عن ظهر قلب.
دريد دفع ثمن الخضار، شكر أبا حسن، ثم أمسك الأكياس.
— يلا يا ميساء.
ركبت خلفه.
وضعت يديها حول خصره.
ورأسها يتمايل مع حركة الدراجة.
والشمس على أسفلت النبطية كانت تكسر الزجاج المبعثر إلى ألوان صغيرة متفرقة.
المشهدية الثالثة
"حين ركضا"
على طريق النبطية الفوقا، لم يسمعا شيئًا.
المسيّرة لا تعطي إنذارًا.
الصاروخ الأول سقط أمامهما مباشرة.
في لحظة واحدة، انقلب كل شيء.
الدراجة طارت جانبًا،
والأسفلت اقترب بسرعة لا تُصدّق.
دريد نهض قبل أن يفهم أنه سقط.
الجسد أحيانًا يتحرك أسرع من الخوف.
صرخ:
— ميساء! قومي! اركضي!
نهضت.
وركضا.
فوقهما، كان الطنين يدور في السماء.
باردًا.
بعيدًا.
ولا يرحم.
ركضا حتى ظنّا أنهما ابتعدا بما يكفي.
حتى بدأ دريد يشعر بأن الهواء عاد إلى رئتيه.
ثم جاء الصاروخ الثاني.
وسقط دريد.
على الأرض.
عيناه مفتوحتان نحو السماء الصافية.
وعلى وجهه شيء يشبه الدهشة الأخيرة.
دهشة رجل لم يتوقع أن تتوقف الحوالة هكذا.
أن تنتهي الأربعمئة دولار التي كانت تطعم عائلته على أسفلت طريق في النبطية.
— بابا…
ميساء كانت عنده.
تمسك يده.
اليد التي حملت الماء،
وسقت الزيتون،
وأوصلتها كل صباح على الدراجة.
كانت لا تزال دافئة.
لكن جسده لم يتحرك.
في تلك اللحظة، لم يقل لها أحد أن تهرب.
لكنها ركضت.
ركضت لأن أباها علّمها دائمًا أن تركض حين تخاف.
المشهدية الرابعة
"الصاروخ الثالث"
كانت ميساء تركض وحدها في الطريق.
يدها تضغط على الجرح في جنبها.
وعيناها معلقتان بالأمام فقط.
لأن من ينظر إلى الخلف يرى أشياء لا يستطيع حملها.
مئة متر تقريبًا.
ثم سقط الصاروخ الثالث.
وفي اللحظة نفسها، في حلب، كانت أمها تطبخ.
رائحة الطعام تملأ البيت الصغير.
الولد الكبير يدرس على الطاولة.
والأربعمئة دولار — التي وصلت هذا الشهر باكرًا — موضوعة في الدرج تحت الملابس.
لم تكن تعرف بعد.
بعد قليل سيرن الهاتف.
وسيسمع البيت صوتًا غريبًا يقول أشياء لا يريد أحد سماعها.
لكن الآن…
في هذه اللحظة بالذات…
كانت تطبخ فقط.
والولد يدرس.
والبيت يشبه بيتًا عاديًا.
والعالم لم يكن يعرف بعد أنه تغيّر.
في النبطية، عاد الصمت إلى الطريق.
الطنين ابتعد تدريجيًا في السماء.
وأبو حسن، داخل محله، كان قد سمع الانفجارات الثلاثة.
لكنه لم يتحرك.
لأن الناس في الحروب تتعلم أحيانًا أن الحركة قد تستدعي انفجارًا آخر.
أما أشجار الزيتون في المزرعة، قرب "مدينة فرح" الصامتة، فبقيت واقفة تحت الشمس.
هادئة.
كأنها تنتظر أحدًا يحمل الماء إليها.
ولم يكن هناك أحد قادم.
✍️ محمد الحسيني ــ لبنان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق