أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبة
-28-
بينما كان أبي عطا يقاوم المطر ويحاول الخروج من مستنقعات الطين، تلفت جميع أكياس المشتريات وتمزّقت بفعل البلل، وضاع السمك الذي كان قد اشتراه لأجل غذاء يوم الجمعة، إذ غرق في المستنقعات، وكذلك العنب المجفف الذي اشتهته وطفى، وكل ما كان يحمله معه.
فغرزت قدماه في الطين، ولم يستطع إخراجهما إلا بعد أن استغنى عن الحذاء.
لكنه أخيرًا تمكّن من إنقاذ جواربه، فحمل كل فردة بيد، ونجا بهما حتى وصل إلى الخيمة في وضع لا يُحسد عليه.
وعندما وقف على باب الخيمة أمام وطفى على هذه الصورة؛ كل جورب بيد ينقط ماء ، لم تستطع فعل شيء غير الضحك.
أثناء الحديث عن تلك المعاناة وخيبة الأمل، قال دحنون لأمه متسائلًا:
-يمّه، يعني لو إن السمك مش ميت، بقدر يعيش ببرك الشتا ويكثر؟
ردّ الأب بضيق:
-اللي تيجي بشدوقك! يعني هذا هو اللي همّك؟
ينتهي فصل الشتاء، فتورق الكروم، وتكتسي الأرض من جديد بوشاحها الأخضر المطرّز بالأزهار الجميلة العطرية.
ليستمتع دحنون من جديد بالطبيعة الخلابة والدفء، فيتيح له الطقس اللطيف أن ينطلق إلى تلاله الخضراء، مطلقًا العنان لأحلامه.
فتلحق به سعدى.
كانت سعدى تبكي بحرقة كلما سمعت عن زواج إحدى قريباتها أو صديقاتها في الغور، وأحيانًا تنهار وتقع مغشيًا عليها.
تبكي حسرة على حظها وعمرها الذي يتقدّم سريعًا، ومشاعرها التي تتبدد دون أن يراها أحد في عمّان البعيدة.
تلتقي دحنون وتشكو له حظها ولواعجها، فيواسيها وهو يمسح شعرها ويقبّلها على جبينها مهدئًا، لكن هذه المرة لم تتمالك نفسها، فاحتضنته بقوة واعتصرته بذراعيها ، فتلفحه أنفاسها الحارقة العطشى على غير العادة.
تتثلّج أطرافه، ويختلج جسده من قوة لمساتها.
أخيرًا استطاع الإفلات من بين ذراعيها، فتركها وجري من أمامها مبتعدًا، فجهشت سعدى بالبكاء، ملقية نفسها على الأرض.
دحنون لم يكرهها أبدًا، بل وجد لها مئة عذر بدل العذر الواحد.
أما وطفى، فكانت في خيمة أبي يزن، بزيارة لأختها، يتحدثن ويضحكن، بينما المذياع يبث برامجه، فتنبعث أغنية الفنان فريد الأطرش"يا حبايبي يا غايبين".
تقول وطفى بسرعة، وكأنها تذكرت شيئًا هامًا:
-يييي ياساتر يا رب! هسا عوّاد ذبح حاله من لصياح (البكاء)مع فريد! يله بخاطرك يختي، بدي أروح أطلّ على عوّاد.
وبالفعل، عندما تصل إليه، تراه يجهش بالبكاء، مناديًا عطا أثناء استماعه إلى الأغنية.
فتجري إلى المذياع وتغلقه على الفور.
فلم تكن تلك عادة أبي عطا فقط؛البكاء مع الأغاني الحزينة ،بل كانت عادة العائلة كلها،
فكانت سعدى تقول دائمًا:
"الله يعينك يا دحنون على هيك عيله، مثل قاع الكيله".
بالفعل، عائلة أبي عطا لم تترك فرصة لأحد من أفرادها بأن يروا الجمال في الدنيا، أو أن يحبوا شيئًا.
ترى سعدى دحنون في نومها، يقف فوق الصخرة ذاتها، ينظر إليها نظرات لم تستطع تفسيرها، فتجري إليه لتضمه إلى صدرها بشوق ولهفة معتذرة له عما بدر منها من مبالغة، لكنه يتحول إلى طائر جميل، ملوّن بألوان زاهية، فيتركها ويفرد جناحيه محلقًا في السماء، فتصحو سعدى من نومها فزعة.
في الصباح، تخرج سعدى للبحث عن دحنون، حتى تجده يلهو بين الخيام.
هناك في طرف الخيام، حيث تنخفض الأصوات وتبهت الحركة، جلست سعدى على حجر صغير، تضم ركبتيها إلى صدرها، تراقب دحنون وهو يخطّ بعصا رفيعة خطوطًا متعرجة في التراب.
اقتربت منه ببطء، وجلست إلى جواره دون أن تتكلم.
ظلّ يخطّ... كأنه لم يرها.
بعد لحظة، مدت يدها بحذر، وأزاحت خصلة شعر سقطت على جبينه.
توقفت يدها فوق رأسه لثانية... ثم لامست شعره برفق.
تجمّد دحنون.
توقفت العصا في يده.
بقيت معلّقة في الهواء، لا تتحرك.
سحب رأسه فجأة إلى الخلف، كأن شيئًا لاذعًا مسّه، ثم نظر إليها بعينين متسعتين، لا غضب فيهما... بل شيء أقرب إلى القلق.
قالت بصوت خافت مرتبك:
-مالك...؟
لم يجب.
أنزل نظره إلى الأرض، وأخذ يمسح الخطوط التي رسمها بيده بسرعة، حتى اختفت تمامًا، ثم بدأ يرسم من جديد... خطوطًا أكثر تكسّرًا.
مدّت يدها مرة أخرى، لكن هذه المرة توقفت قبل أن تلمسه.
سحبتها ببطء.
قالت وهي تحاول أن تبتسم:
-طيب... خلّينا نلعب؟
هزّ رأسه موافقا دون أن ينظر إليها.
نهضت، وبقيت واقفة للحظة، كأنها تنتظر شيئًا... لكنه لم يرفع رأسه.
ابتعدت وهي تشعر بالغصة ،ورغبة ملحة للبكاء .
وبعد أن اختفت خطواتها، توقف دحنون عن الرسم.
رفع يده ببطء... ولمس المكان الذي لمسته فيه.
بقيت يده هناك قليلًا...
ثم أنزلها.
وعاد يرسم.
تنتصب خيمة أبي إسماعيل قرب الخيام، ولم تكن بعيدةً جدًا عن بقية الخيام.
يظهر إسماعيل، وهو شاب في منتصف الثلاثينات من عمره.
كان يراقب سعدى دائمًا باهتمام، وهي تلهو بصحبة دحنون، وبفطرة الطفولة، علم دحنون أن الشاب مغرما بها، لكن دحنون كان يتردد باستمرار على بقية الخيام التي يمر بها الشاب ليتقصّى الأخبار، حتى تأكد من حبه لسعدى.
يومًا ما نادى على دحنون، وعندما اقترب منه قال له، وهو يمدّ يده طالبًا مصافحته:
-تعال يا شاطر، بتحب الحلقوم؟ خذ... خذ حبيبي.
وعندما صافحه دحنون، ضغط على يده وأبقاها في يده.يتجمد دحنون في مكانه ،
مدّ دحنون يده المرتعشة ليأخذ حبات الحلقوم منه، ثم سأله الشاب...
"وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبة
23-4-2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق