المرأةُ ذاتُ الوجوهِ السبعة1
"صوتُ الغابة — ملحمةُ الذئابِ الزرقاء"
قبلَ أن تبدأَ الحكاية،
كانتْ هيَ جالسةً على حجرٍ أقدمَ من الأسماء،
وفي كفِّها جرحٌ مفتوحٌ
يشبهُ شكلَ الأرض.
أطبقتْ يدَها،
وأغمضتْ وجهَها الأوّل—
وحين فتحتهُ،
كانتْ ذِئبةً زرقاء.
هناك… بدأتِ الحكاية.
في زمنٍ كانتِ الغابةُ تتنفّسُ ككائنٍ حيّ،
وكانَ للشجرِ أسماء،
وللجذورِ ذاكرة،
سكنتْ واديَ النارِ الخضراء
قبيلةٌ من الذئاب
لا يُشبهُها شيء ...
كانتْ زرقاء.
لا زرقةَ سماءٍ تتبدّل،
ولا زرقةَ بحرٍ يتجمّل—
بل زرقةُ ليلٍ صادق،
لا يعدُ، ولا يعتذر.
زرقةُ من اختارَ البقاء
كلَّ فجر.
وكان يقودُهم ذئبٌ
اسمُهُ وَرْد.
كانتِ الغابةُ تمتدُّ
من جبلٍ لا ذاكرةَ لقمّته،
إلى نهرٍ
يمشي كأنّهُ يجرّبُ الجهات.
وكانتِ الذئابُ تعرفُ:
كلَّ شجرةٍ باسمها،
كلَّ حجرٍ بصوتهِ حين يبلّله المطر.
ثمّ جاءَ الظلامُ الآخر.
ليس ليلًا—
فالليلُ قديمٌ، ومألوف.
جاءَ من جهةٍ
لا تعرفُها الريح.
بلا أثرٍ،
بلا صدى.
الغيلانُ الرماديّون.
يشبهونَ الذئابَ
كما تُشبهُ الصورةُ إنسانًا
بلا روح.
يمشونَ في صفوفٍ لا تتعثّر،
ولا يتكلّمون
إلّا حين يُؤمَرون،
ولا يضحكون
إلّا إذا رأوا الخوف.
وكانَ يقودُهم
"الثقيل"—
كائنٌ
تتأخّرُ الأرضُ تحتَ خطوته،
كأنّها تفكّرُ قبلَ أن تحمله.
جاؤوا أوّلًا بالكلام.
قالوا:
نحنُ هنا
لنُنظّمَ الغابة.
قالوا:
إنّ الواديَ أوسعُ ممّا ينبغي
لمن يسكنه.
قالوا:
إنّ العالم تغيّر.
كانت كلماتُهم
ناعمةً كوحلٍ لا يُرى.
صمتَ وَرْد.
ثم قال:
"إذا بدأَ العدوُّ بالكلام،
فهوَ لا يريدُ أن ينتصر—
بل أن تُسلّم."
وصمتَ أكثر.
"ونحنُ…
لن نفعل."
في تلكَ الليلة،
وقبلَ أن يتحرّكَ أحد—
كانتْ هيَ هناك.
المرأةُ ذاتُ الوجوهِ السبعة.
لم تكنْ خارجَ المشهد،
بل كانتْ الغابةُ تميلُ نحوها
كما تميلُ الجروحُ نحو اليد.
بوجهِها الثاني،
شمّتْ ما لم تشمّهُ الذئاب بعد.
وبوجهِها الثالث،
رأتْ ما سيحدث
قبلَ أن يحدث.
لكنّها لم تتدخّل.
فقط…
وضعتْ كفَّها على الأرض،
كأنّها تُوقظُ شيئًا أعمقَ من الصوت.
بدأتِ الحربُ ليلًا.
لا إعلان—
بل كسرٌ مفاجئٌ في صمتٍ معتاد.
كانتْ سِدرة—
الذئبةُ الأم،
حارسةُ الشرق—
أوّلَ من عرف.
رفعتْ رأسَها،
وشمّتْ رائحةً
تشبهُ الحديدَ المحترق
وقد تعلّمَ أن يتخفّى.
أطلقتْ عواءها:
ثلاثُ نبضات… وصمت.
ثمّ انكسرَ الليل.
لم تكنْ معركةً تُروى،
بل فوضى
تعرفُ طريقَها.
الذئابُ الزرقاء
قاتلتْ بما تعرف:
الظلُّ،
الشجر،
والتراب.
وكانَ وَرْد
يُقاتلُ بالغابة—
لا فيها.
لكنّ الغيلانَ
كانوا كُثُرًا.
يسقطُ أحدُهم،
ويأتي آخر.
كأنّ الخسارةَ
لا تعنيهم.
في اليومِ الثالث،
سقطَ الشمال.
وفي الخامس—
احترقتِ الشجرةُ الكبيرة.
شجرةُ الأسماء.
لم تُحرَق
لأنّها تعيق—
بل لأنّها تتذكّر.
رأتْ سِدرةُ النار.
لم تعوِ.
لم تهجم.
جلستْ أمامها،
وأدخلتْ مخالبَها
في الترابِ المشتعل،
تبحثُ عن الجذور.
كانتْ تنقذُ
ما لا يُرى.
ومن بعيد،
كانتْ المرأةُ ذاتُ الوجوهِ السبعة
تراقب.
بوجهٍ رابع،
ابتسمتْ للحريق.
ليس رضًا—
بل معرفة.
وبوجهٍ خامس،
أغمضتْ عينيها،
فهدأتِ النارُ قليلًا
دون أن تنطفئ.
فهمَ وَرْد.
لم يكنْ الأمرُ
أن تُحافِظَ على الأرض—
بل
على معناها.
في تلكَ الليلة،
جمعَ ما تبقّى.
قال:
"سيأخذونَ الشرق."
صمت.
"ونحنُ
لن نمنعهم الآن."
ارتفعتْ العيون.
"ليس عجزًا—
بل اختيارًا."
ثمّ:
"المعركةُ ليستْ
أن نبقى هنا…
بل أن نبقى
كما نحن."
"لن نصيرَ رماديّين
كي نهزمَ الرمادي."
"سنتراجع—
لكنّ الجذور
لن تتحرّك."
وفي عمقِ الكهف،
كانتْ هيَ جالسة.
بوجهِ الذئبةِ الأم.
تُصغي.
وحين قالَ "الجذور"،
نزفَ جرحُ كفِّها
قليلًا—
ثم هدأ.
كأنّ الأرض
وافقت.
في الخارج،
كانَ الغيلانُ يحتفلون.
يظنّون
أنّ الغابةَ
انتهت.
ثمّ—
عواء.
ليس صوتًا،
بل ارتدادًا في العظم.
عواءُ قبيلةٍ
تتذكّر نفسها.
وحين سكتَ الصوت—
سكتتِ الغابة
بطريقةٍ
لم تعرفها من قبل.
على حافةِ الكهف،
جلستِ المرأةُ ذاتُ الوجوهِ السبعة.
بوجهٍ سادس،
نظرتْ إلى الجنوب.
بوجهٍ سابع—
لم يكنْ لها وجه.
كانَ انتظارًا.
نظرتْ إلى جرحِ كفِّها.
لم يلتئم.
لكنّهُ
توقّف عن النزيف.
قليلًا.
وفي الجنوب،
كانَ الترابُ متشقّقًا،
والنملُ
لا ينام.
وكانتْ الحكايةُ الثانية
تتحرّكُ تحتَ الأرض—
في ممرّاتٍ
لا يراها
من يمشي على السطح.
✍️ محمد الحسيني ــ لبنان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق