الأربعاء، 22 أبريل 2026

قصة تحت عنوان{{أحلام الدحنون}} بقلم الكاتب القاصّ الأردني القدير الأستاذ{{تيسير المغاصبه}}


أحلام الدحنون"
رواية
بقلم:
تيسير المغاصبه
-27-
نظر فراجُ مرتابًا منهما، فقال له الجندي الثاني:
-حط من إيدك وتعال هون؟
أنزل فراج الطوب، وأتى إليه، بينما كان دحنون جالسًا فوق كومة الرمل يرقب المشهد المريب. فقال له آمرًا:
-تعال، قرّب هون؟
-إيش بدك مني سيدي؟ إحنا ناس معثّرين بندور على رزقنا.
عند ذلك أمره صارخًا:
-سدّ حلقك يا كندره!
ثم ضربه بكعب البندقية، فأوقعه أرضًا من شدة الضربة، ثم قال له:
-وقف، عاد!
وعندما وقف، مدّ يده إلى جيب قميصه، وأخرج محفظته، وفتحها، وأخذ منها النقود، ورماها عليه.
وقبل أن يغادرا، يطلّ حكم الذي رأى كل شيء، من بين أخشاب الباطون، فيراه الجندي الثاني ويقول:
- استنى هيو في واحد ثاني هناك، تعال وله، تعال هون!
يأتي حكم، يقول لهما غاضبا:
-ليش أخذتو معاش الزلمة؟ هي فوضى؟
ردّ عليه الجندي ثائرًا:
-شو بتقول يا كندره؟
فقال الجندي الثاني:
-خليه علي، خليه علي!
فينهالون عليه بالركل بالبساطير، والصفع، والضرب بكعب البنادق حتى ينهكوه.
قال فراج متوسلًا:
-يا سيدي اتركوه، إحنا تحت أمركو باللي بدكو إياه.
عند ذلك وضع الجندي بسطاره على فم حكم، وقال له آمرًا:
-عضّ عليه وله، عضّ عليه!
قام الجندي الثاني بإخراج محفظته من جيبه، وأخذ منها النقود، وصفعه بها على وجهه ، ثم قال له:
-وقف هسّا يا كندره!
عندما وقف حكم، ونفض ثيابه من الغبار، رأى الجندي الساعة في يده، فقال له:
-استنّى، استنّى وله!
ثم أخذ الساعة من يده، ووضعها في جيبه.
فمدّ يده إلى جيبه الأخرى، وأخرج منها علبة سجائر كانت من ماركة "كمال"، وهي من أرخص أنواع السجائر، فقام بتحطيمها وألقاها أرضًا.
ولحسن حظ فراج وحكم أن الجنديين نسيا تحطيم علبة سجائر فراج؛ ولهذا، وعلى الأقل، لن يُحرما من التدخين هذا اليوم.
استدار الجنديان مغادرين، وهما من بعيد يتبادلان ابتسامات النصر، بينما كان دحنون يراقب، ولم يفته شيء.
أثناء العودة إلى الخيمة، مرّ من جانبهم ولد بيده حبة بوظة، كان يلعقها بتلذذ، وما إن رآه دحنون حتى أخذ يبلّل شفتيه بخيبة أمل كبيرة.
في الحقيقة، لم يكن حرمان دحنون يقتصر على الحلوى والطعام الطيب المنبعثة رائحته من بيوت الآخرين، ولم يكن حرمانه من حبة البوظة شيئًا جديدًا.
فحرمان دحنون كان من كل شيء في الحياة، بل حُرم حتى من أبسط حقوقه.
لم يكن دحنون يشعر أن عوّاد العلي أبوه؛ فلم يمسح على شعره، أو يبتسم في وجهه يومًا، ولم يشعره بالأمان لحظة.
وأما أمه وطفى، فلم يكن الأمر مختلفًا؛ فهي لم تضمه يومًا إلى صدرها، أو تقبله قبلة خاطفة ولو بالخطأ.
فتشتّتت أفكاره وأحاسيسه ومشاعره ما بين حاجته إلى حنان الأم، وعطف الأب، وأحضان وأنفاس وقبلات سعدى.
* * * * * * * * 
اجتاحت الجبلَ وتلالَه رياحٌ موسمية شديدة الوطأة، أطارت بعض الخيام من فوق أصحابها بعد أن اقتلعت أوتادها. وما إن ترى وطفى ما يحدث، والرياح المتعنّتة التي تصرّ على اقتلاع الخيمة، حتى تنادي أبا عطا:
-تعال، تعال بسرعة يا عواد، اقضب معي!
تتشبث وطفى بعمود، بينما يتشبث أبو عطا بعمود آخر، ويُترك العمود الأوسط لعدم وجود شخص قوي يمسك به. يتشبثون بقوة مقاومين الرياح، بينما زهير الصغير يصرخ بصوت مرتفع مزعج من الخوف، متجولًا داخل الخيمة مرددًا:
-العمدان بدهن يقعن! الخيمة بدها تطير من فوقينا!
فجأة تهدأ الرياح، كأن شيئًا لم يكن. تندهش وطفى مما حدث، وبعد قليل تفتح باب الخيمة، لتفاجأ بالأرض وقد اكتست بوشاحها الأبيض الناصع البياض ، فتقول:
-تعال، تعال شوف يا عواد!
يخرج الأولاد من خيامهم يلهون بالثلوج، فرحين بما قدمت لهم السماء، لكن زهير ما إن يشعر بالبرودة حتى يجري إلى الخيمة صارخًا:
-جري يمه، جري! مش عارف أحركهن!
تلتقي سعدى بدحنون من جديد، ينشرح صدرها وتشكر الله كثيرا على ذلك،فبالرغم من أن خيمتها قرب خيمته فهي لاتحتمل أن يغيب عنها لحظة . يلهوان بالثلوج، يتدحرجان معًا بسعادة، وتحاول أن تبتعد معه عن أنظار الناس ، يتراشقان بكرات الثلج. تلحق بهما عزيزة، وترمي دحنون بكرات الثلج متحالفة مع سعدى.
تراهم وطفى، فترميهما بكرات الثلج قائلة:
-ثنتين هاجمات على ولدي! ههههه، أنا بوريكن!
ويستمر الضحك.
تمر أيام على هذا المنخفض الثلجي الذي لا يُنسى، وقد عانى الأولاد من شدة البرد من جهة، ومن دخان النار المشتعلة في تنكة الصفيح داخل الخيمة من جهة أخرى، حيث  كان الدخان يخنق أنفاسهم ليلًا ونهارًا.
ولم يقل الموسم المطري شدة عن المنخفض الثلجي؛ إذ تستفيق وطفى يومًا على مياه الأمطار التي داهمت الخيمة وأغرقت الفراش، فتقوم بإيقاظ الأولاد:
-يا ساتر يا رب، رحمتك يا رب! يا عيال قومو قومو ! يا عواد، الميّه فاتت علينا!
كان دحنون قد نهض قبل الجميع، ورأى المياه تحيط بفراش الأب، بينما لا يزال في فراشه متذمرًا:
-فكّي عني يا مره، ودشريني نايم شوي!
أصاب البلل فراش أبي عطا بالكامل، وأصبح كأنه يعوم فوق طوف في عرض البحر.
تجري وطفى إلى أحد الجيران في القصور القريبة، وتطلب منهم استدعاء الدفاع المدني لإنقاذهم. دقائق معدودة، وتصل نجدة الدفاع المدني.
يرون الوضع المزري، فيطلبون منهم الاستعداد لنقلهم إلى إحدى المدارس للاحتماء بها مؤقتًا. يكون أبو عطا قد استيقظ، ورأى رجال الدفاع المدني، فقال معاتبًا وطفى:
-كيف تحكي معاهم بدون ما تقوليلي؟ إذا بدك تروحي، روحي إنتِ وعيالك، أنا ما بقدر أترك عدة الناس.
لم ترضَ وطفى بترك زوجها وحده، فاعتذرت لرجال الدفاع المدني، فردّ قائدهم:
-ذنبكو  على جنبكو ، إحنا سوّينا اللي علينا.
ويغادرون.
بعد مغادرتهم، قام أبو عطا بتعنيف وطفى:
-أنا دايمًا بقولك لا تسوي أي إشي من راسك يا آدميّه! كيف نترك الورشه وعدة الناس بلا حراسه ونروح؟
-يا عواد، يعني بدك لعيال يموتو من السقعه؟
-خليهم يموتو! الله لا يقيمهم! مش رايحين يكونو أحسن من عطا؟
بقي حال الخيمة كما هو، حتى مرّ فراج بالخيمة، فقام ببناء حائط من الطوب بارتفاع متر ونصف حولها، ورفع الخيمة، وأعاد نصبها بحيث أصبح الحائط داخلها، وعمل قنوات لتصريف مياه المطر حولها.
بعد أيام، يتوجه أبو عطا إلى السوق بعد أن أخذ معاشه، فتفاجئه الأمطار الغزيرة في طريق العودة، وتستمر بلا توقف ، فتحاصره في الأرض الطينية.
                          "وإلى الحلقة القادمة"
تيسير المغاصبه
18-4-2026

 

ليست هناك تعليقات: