قصة قصيرة // جلاد في محراب الفضيلة
في شتاء عام 1997، كانت بلدة "الطواويس" قرب الجبل ترزح تحت وطأة برد قارس وركود اجتماعي يشبه البرك الآسنة، حيث تلوذ البيوت الرمادية ببعضها خوفاً من زمن يتسارع في الخارج ويدور في حلقة مفرغة في الداخل.
وفي أروقة جامعة الطواويس، لم يكن الخوف ينبع من جفاف المناهج أو صرامة القوانين، بل كان يتجسد في ممراتها المعتمة على هيئة خمسيني يُدعى الأستاذ الجرية، هكذا يلقبه الطلاب سرّاً بـ "الجرية"؛ تشبيهاً له بتلك السمكة النهرية التي تقطن وحل القاع، لشاربه الكث المنسدل بغرابة على جانبي فمه متهادياً مع كل نأمة ينطقها.
هناك، كان "الجرية" يدرّس مادة صعبة، العلم الذي طوّعه ببراعة واقتدار، محولاً إياه من منارة تضيء العقول إلى فخّ هندسي محكم، لا يعبره أحد إلا بمشيئته وبثمن يرتضيه.
لم يكن "الجرية" يكره الغباء، بل كان يمقت النباهة التي قد تفكك شفرات تجارته الخفية وتعرّي سلطته... لقد تغلغل مبكراً في أعماق السيكولوجية الهشة لمجتمع "الطواويس" المحافظ، مستغلاً حقيقة مريرة: أن رسوب الفتاة ليس مجرد إخفاق أكاديمي، بل هو حكم بالإعدام الاجتماعي يعيدها قسراً إلى ظلمات الحبس المنزلي أو الزواج المفتقر للخيارات.
من هذا الشرخ النفسي، كان يصيغ اختباراته كفخاخ تعجيزية، متعشعشاً في قلقهن، ومحولاً أوراق الإجابة إلى ساحات مستباحة باللون الأحمر لكسر كبريائهن. وخلف الباب المغلق لمكتبه المثقل برائحة التبغ الرخيص، كان ينفتح جحيم "المفاوضات"؛ حيث يقتات على رعبهن من الفضيحة، مقايضاً صك النجاح بتنازلات تمزق ذواتهن وتشوه أرواحهن. لم يكن يرى نفسه مجرماً، بل نرجسياً يتلفع برداء الفلسفة، مؤمناً بأن الأخلاق ليست سوى حيلة اخترعها الضعفاء ليتدثروا بها، وأن العدالة الحقيقية هي قدرة القوي على صياغة المصائر وإخضاع النفوس.
لم يكن "الجرية" يمارس ساديته من موقع القوة المطلقة، بل من غياهب عاهة نفسية غائرة، ونكاية بجرح قديم تشكّل في بواكير عمره؛ حادثة منسية في ركام الماضي وضعت روحه في أسر شعور أبدي بالدونية والعجز.
لقد تحولت تلك الصدمة المبكرة في أعماقه إلى تشوه بنيوي في إدراكه لذاته، فصار يرى في كبرياء كل فتاة وجهاً لجلاده القديم، وفرصة سانحة للثأر من ضعف الماضي الذي لا يزال يسكنه. كان الابتزاز بالنسبة له ليس مجرد رغبة عابرة، بل آلية دفاعية نفسية يحاول من خلالها ترميم نرجسيته الجريحة؛ فكلما أخضع نفساً بريئة، شَعَرَ وهمياً بأنه يسترد جزءاً من رجولته المهدورة. وخلف الأبواب الموصدة، إنها الجدلية الفلسفية البائسة للمهزوم الذي لا يجد معبراً لإثبات وجوده إلا بتحويل الآخرين إلى مساحيق يطمس بها عاره الشخصي، محاولاً عبثاً غسل وساخته الداخلية بدموع الضحايا.
حين تجرأت بعض الطالبات وكسرن جدار الصمت بتقديم شكوى رسمية ضد "الجرية"، لم تكن المعركة بين حق وباطل، بل بين ضحايا عزل ومنظومة متماسكة تحمي عوراتها.
أدرك الجمع أن سقوط الجرية يعني تصدع السد الذي يداري مخازيهم، فتحولت إلى محكمة تفتيش مقلوبة، انتهت بإدانة الضحايا ومعاقبتهن بتهمة التشهير، ليتجلى الظلم بابشع صورة, حين يصبح الفساد هو القاعدة، والطهر يغدو الجريمة التي تستحق العقاب.
بقلم الكاتب اسعد الدلفي
العراق – بغداد – باب المعظم
الخميس 11 حزيران 2026


