قصة قصيرة / ثمن الكبرياء
على رصيفٍ بارد، كانت الحافلة تمرّ كقطارٍ من الضوء والضجيج، تفتح أبوابها للجميع وتغلقها في وجه جيوبه الفارغة. بضع قطع نقدية كانت تفصل بينه وبين المسافات، بضع قطعٍ لو مَلكها لغيّر مجرى الملامة التي تلاحقه.
في المساء، جاءه العتاب من الاحبة ثقيلاً كصخرة: "كيف لم تزر الحاج محمود بعد اجراءه عملية خطيرة؟ الكل زاره الا انت؟ أهكذا هي صلة الرحم! بل كيف غبت عن حضور مأتم الاستاذ علاء الطيب وفي عنقك له واجب؟. هل نسيت فضله عليك!؟
طأطأ رأسه، ليس خجلاً من التقصير، بل صيانةً لكرامته من الشفقة. فالناس يقيسون الوفاء بخطوات الأقدام، ولا يدركون أن بعض الخطوات ثمنها رغيف يومٍ كامل. كيف يشرح لهم أن غيابه لم يكن جفاءً، بل كان عجزاً يرتدي ثوب الصمت؟ كيف يخبرهم أن أقسى أنواع الفقر ليس جوع البطن، بل أن تبدو نذلاً في عيون من تحب لأنك لا تملك ثمن تذكرة الباص؟
فضّل أن يتجرع مرارة التهمة على أن يبيع عزة نفسه بـرنينِ قرشٍ يُتصدق به عليه.
استدار ومضى في عتمة الليل، تاركاً لهم ترف الأحكام، حاملاً في صدره حقيقةً دافئة: "أنبل النَّاس مَن قَبِلَ أن يُساءَ فهمه، لتظلّ عزةُ نفسه في أعينهم مَهيبة، فالصمت أحياناً هو غطاء الروح البديل حين ينكشف ستر الحال."
بقلم الكاتب اسعد الدلفي
السبت 27 حزيران 2026
العراق – بغداد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق