الجمعة، 5 يونيو 2026

قصة تحت عنوان{{موعد النار}} بقلم الكاتب القاصّ العراقي القدير الأستاذ{{اسعد الدلفي}}


 قصة قصيرة   //  موعد النار 


 في شارع الرشيد، حيث يتنفس التاريخ من رئة الورق المعتّق، كان صوت البائع يشقُّ الزحام : "الكتاب بألف دينار!".
وقفتُ مكاني، : يا لَزهد الثقافة في زمن العوز.. أيُعقل أن يُباع مجد عقولٍ وسهر ليالٍ بثمن بَخسٍ كهذا؟ ألف دينار! إنها لا تشتري رغيفاً يسد رمق الجسد، لكنها هنا تشتري روحاً كاملة، وتفتح بوابة لزمنٍ آخر. أيُّ مفارقةٍ هذه التي تجعل الكنوز معروضة على أرصفة العابرين، ينتظر بعضها صياداً يعرف قيمتها، بينما يمر الآخرون دون التفاتة.
شعرتُ بغبطةٍ حزينة تنتابني؛ فالأرصفة بغبارها أصبحت أكثر سخاءً من دور النشر الفارهة، والورق المنسي يخبئ خلف سطوره مواقيت ثائرة تنتظر من يوقظها.
 
 كنتُ أُقلّب العناوين بلا وجهةٍ محددة، . مرّت تحت أصابعي كتبٌ شتّى؛ فتعثرتُ بكتابٍ لـ (هيكل)، لكنني أهملتُه وتجاوزتُه.. فما نفعُ دهاليز السياسة المعقّدة لقلبٍ يبحث عن السكينة البسيطة؟.. ثم لاح لي آخر لـ (صدام)، فخرجت مني ضحكةٌ ساخرة قبل أن أرميه جانباً.. يا لسخرية الأقدار! حتى التاريخ يصبح أحياناً عبئاً ثقيلاً نريد الفكاك من رماده... وقعت عيني على كتابٍ يحمل عنواناً مستفزاً: "فنون المراوغة"! نبذتُه على الفور وكأنني أطرد فكرةً آثمة، .. البعض بالفطرة هم مراوغون.. لا يحتاجون إلى دليل، ويمارسون الزيف كأنه هواء يتنفسونه، دون كُتبٍ أو معلمين.

 وفجأة.. ومن بين ركام النسيان، التمع تحت الغبار عنوانٌ صعقني وهزّ أركان صمتي: (موعد النار) للراحل فؤاد التكرلي! تسمّرتُ في مكاني،: يا إلهي! أهنا أنت؟ أفي هذا الركن المهمل تختبئ بعد كل هذه السنين؟ كم طاردتُك في دهاليز "المتنبي" ودروب المكتبات العتيقة دون جدوى، وكم ظننتُ أن اللقاء بك مستحيل.. لتأتي الآن وتشرق بوجهك من تحت الغبار وكأنك كنت بانتظاري أنا دون غيري.
إنه الكنز المفقود، ضالتي العمرية التي بحثتُ عنها طويلاً. بلا وعي، احتضنتُه إلى صدري بلهفةٍ وخوف، كأنه طفلٌ عائد من غياب، أو سرٌّ أخشى أن يسرقه الزحام مني. مددتُ يدي ودفعتُ الألف دينار : رباه.. أيُّ بركةٍ حطّت على الرشيد اليوم؟ أدفَعُ ثمناً بخساً من ورق.. لأشتري وطناً من الإبداع والنار؟.

عند المنعطف، استقبلتني رائحة الفلافل الزكية، فتحركت شهيتي ونازعتني رغبةٌ ملحّة تدفعني نحو البائع. تلمستُ جيبي، كان فارغا... نظرتُ إلى الكتاب المحضون بين يدي، ثم إلى عربة الطعام، : عذراً أيتها المعدة الجائعة.. فاليوم صيامكِ عن الخبز هو فطرُ العقل، وظفر الروح. ما نفعُ زادٍ يفنى بعد ساعة، أمام زادٍ يخلد في الوجدان مدى الحياة؟ لقد تلاشت الدنانير في سبيل "موعد النار" ويا له من حريقٍ ممتع... ابتسمتُ في سري، وتجاوزتُ المكان دون التفاتة. مشيتُ وأنا أجرُّ خطاي المتعبة نحو البيت، لكن روحي كانت تحلّق عالياً، أهزأ بالجوع وأزهو بكنزٍ يزنُ عمرًا بأكمله.

بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الجمعة 5 حزيران 2026
العراق – بغداد

ليست هناك تعليقات: